البَلْطَجِيّ .. مَلكًا
النسخة المختصرة من هذا المقال نشرت في عروبة 22 (الاثنين 8 ديسمبر/كانون الأول 2025)
«لا حدود لسلطتي غير ما أراه أنا»
“Yeah, there is one thing. My own morality. My own mind. It’s the only thing that can stop me.”
بوضوح، لا يقبل تفسير آخر، هكذا رد دونالد ترامب قبل يومين على سؤال لنيويورك تايمز عن ما يراه يمكن أن يحد من سلطته، أو ما قد يتخذه من إجراءات «عسكرية».
“I don’t need international law”
«لا حاجة عندي للقانون الدولي» ، هكذا أردف. للتأكيد. أو ربما لإفهام من لم يفهم بعد!
لا يختلف دونالد ترامب في شيء عن ما وصف به نيكولاس مادورو؛ «المستبد .. الديكتاتور» سوى أنه يجلس في البيت الأبيض حيث يملك أزرار القوة الأكثر تدميرًا في العالم، في حين يقبع الآخر مع زوجته في سجن «أمريكي» يملك مفاتيحه، عمليا دونالد ترامب نفسه.
قد لا تتفق (وأنا معك) في الطريقة التي أدار بهامادورو الانتخابات الأخيرة، وهي بالمناسبة لا تختلف عن معظم انتخابات بلداننا العربية، كما قد لا يرضيك (وأنا معك) أن يظل الرجل في كرسي الحكم الذي أوشك أن يكون «عرشًا ملكيًا» لفترة ثالثة ولكن لا تنسى أن ترامب نفسه، بالمخالفة لأحكام الدستور، كان قد أعلن صراحة عن رغبته في أن يفعل هو أيضًا ذلك، «بناء على طلب الجماهير»، كما هي حجة المستبدين التقليدية.
الحساب «الرسمي» للبيت الأبيض لم يتردد في نشر صورة (مولدة بالذكاء الاصطناعي) للرئيس يرتدي تاجًا ملكيا، إلى جانب شعار لافت «عاش الملك» .. لا تعليق.
ترامب ليس ديكتاتورا «متألهًا» فقط، كما كان الفراعنة القدماء، أو «كاليجولا»؛ الإمبراطور الروماني المجنون، بل هو بلطجي، بالتعريف. كما صورته السينما المصرية، وكما وصفه نجيب محفوظ في رواياته.
ها قد رأيناه يفعلها على الهواء مباشرة، كما يفعل أي بلطجي عندما لا يجد من يوقفه عند حده، فيستبد به غرور القوة،، فلا يعبأ، ولو شكليًا بالقانون. لم يتردد دونالد ترامب ليس فقط في اختطاف رئيس دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، بل وأن يخرج على الملأ «ليتباهى» بذلك. فضلا عن أن يعرض صورة ضحيته مكبلا، بالضبط كما يفعل بلطجي الحارة المصرية عادة ليرهب جيرانه، وليقول لهم بالصوت والصورة أن ليس أمامهم غير الإذعان لمن يملك السلاح والقوة. هو لم يتردد في أن يقولها صراحة: «لو استمع إلى ما نصحته به، ما كان قد لقي هذا المصير».
أكرر: أيًا كان موقفك من الانتخابات التي جاءت بالرئيس الفنزويلي إلى الحكم، إلا أن ذلك لا ينفي بحال أن ما فعله الرئيس الأمريكي هو انتهاك سافر للقوانين الدولية، كما لا ينفي أيضًا حقيقة أنه لم يذهب إلى كراكاس بحثًا عن ديموقراطية مفقودة، بل طمعا في نفطها وثرواتها. هو لم يخف ذلك.
لم يذهب ترامب إلى فنزويلا للبحث عن الديموقراطية. كما أنه، كأي بلطجي يريد أن يقول أنه فوق القانون، وأنه «وحده» صاحب القرار، لم يكلف خاطره في البحث عن غطاء قانوني لفعلته تلك، مثلما فعل سلفه جورج دبليو بوش لتغطية ذهابه إلى العراق (2003) بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبأكاذيب كولين باول الاستعراضية على منصتها، وباختلاق تحالف يسمى «دوليًا»، وهو أمريكي بكل تفاصيله. صحيح أن القرار 1441 (نوفمبر 2002)، لم يعط ضوءا أخضرًا تلقائيا للحرب، ولكنه على الأقل أعطى للإدارة الأمريكية يومها ما يغطي عورة قراراتها.
لا يتردد البلطجي في أن يغدر بحلفائه، لا وجود حتى «لأخلاقيات المافيا» هنا. يهدد ترامب بالاستيلاء على جرينلاند التابعة للدنمارك التي هي عضو في الناتو، (كما هي الولايات المتحدة الأمريكية فيما هو مفترض). لماذا يريد ترامب جرينلاند؟، لأنها كما فنزويلا غنية بالموارد الطبيعية. البلطجي يبحث دائما عن المال. هو لم يتردد في إعلان جائزته الفنزويلية الأولى بعد تهديد خلفاء مادورو: ستحصل الولايات المتحدة عن ما قد يصل إلى 50 مليون برميلا من النفط الفنزويلي يوميًا «ليبيعها وتكون حصيلة البيع تحت إمرته and that money will be controlled by me» هل يخرج الأمر عن كونه «إتاوة»، أو شكل «دولي» من أشكالها؟!
بالمناسبة، لا يمكن النظر إلى كلام ترامب أو توجهاته المعلنة حيال جرينلاند، على أنها مجرد استمرار لنهج أمريكي توسعي قرأنا عنه في كتب التاريخ الحديث، أو أنه يشبه “شراء” آلاسكا من روسيا (1867)، أو لويزيانا من فرنسا (1803)، فأعراف القرن التاسع عشر؛ زمن الاستعمار. والمستعمرات، تختلف قطعًا عن أعراف القرن الحادي والعشرين، وقوانينه الدولية التي استقرت بعد الحرب العالمية الثانية. ثم، وهذا هو الأهم، فترامب لا يتحدث عن بيع وشراء لأقاليم أو دول، وهو ما كان متعارفًا عليه في صفقات القرون الماضية، بل هو يلوح علنًا باستخدام القوة العسكرية لضم الجزيرة الغنية بثرواتها الطبيعية.
لم يدع ترامب مجالا للاعتبارات الدبلوماسية التي كانت مرعية عادة بين رؤساء الدول، فرغم مخاوف مؤكدة لدى الجميع من إغضاب الثور الأمريكي الهائج، خرج قادة أوربيين أخيرًا ليعربوا عن قلقهم من «عدوانية إستعمارية جديدة»، هكذا قال ماكرون هذا الأسبوع في خطابه السنوي أمام سفراء بلاده، أما الرئيس الألماني، فرانك شتاينماير، والذي يسمح له منصبه الشرفي بأن يكون أكثر صراحة، فقد حذر من «وكر اللصوص».
بالمناسبة، لم يكن ما جرى في فنزويلا غير صورة فجة لسلوك بات مألوفًا من رجل يجلس لسوء الحظ في المكتب البيضاوي، الذي بحكم قوة البطش، لا غيرها يحكم العالم كله. فهو هدد كولومبيا وكوبا والمكسيك بالمصير ذاته، دعك من حديثه عن إيران، وخطته المعلنة «للاستيلاء» على قطاع غزة. فهو لا يتردد حتى في الإدلاء بتصريحات تعتبر تدخلا صارخا في الشؤون الداخلية لدول أوروبا.
لم يعد في سلوك «كاليجولا»، الذي يسكن البيت الأبيض أو في تصريحاته اليومية ما يدعو للاستغراب، قهو يؤكد كل ساعة على ملامح صورته التي لا يريد البعض؛ إنكارًا لا استنكارًا أن يصدقها.
ربما هناك من مازال يذكر أنه قبل حوالي الشهر، وفي إهانة مقصودة للآخرين على اختلافهم؛ أفارقة، وأوروبيين، وغيرهم، تعمد دونالد ترامب عدم إرسال أي مندوب، أيّا كانت درجته الدبلوماسية، أو حتى وظيفته «الإدارية» في السفارة الأمريكية ليحضر قمة مجموعة العشرين الأخيرة التي عقدت للمرة الأولى في دولة أفريقية؛ (جنوب إفريقيا في هذه الحالة). والتي لم يفت الرئيس الصاخب لأكبر دولة في العالم أن يُعَرِّض بها في تصريحاته المنفلتة. ثم كان أن انتهى الاجتماع دون الإجراء الدبلوماسي المألوف الذي يقوم فيه الرئيس الحالي للقمة (وهو في تلك المرة الجنوب الإفريقي) بتسليم رئاستها، إلى رئيس القمة المقبلة (2026) والتي من المفترض أن تكون الولايات المتحدة ذاتها، إذ لم يكن من اللائق، أو من المنطقي تسليم الرئاسة إلى «المقعد الشاغر».
لم يكن هذا السلوك، غير المسبوق دبلوماسيًا، غير واحد من السلوكيات «الصادمة» للرئيس الذي يتربع على «عرش« الدولة الأكبر في العالم، والذي لا يأبه هو وأركان إدارته ليس فقط للأعراف الدبلوماسية المرعية، بل وحتى لما تقتضيه الاعتبارات القانونية الدولية. فلم يكن حبر البيان الختامي لقمة زعماء الدول الأهم اقتصاديا في العالم والذي نجح ترامب في إرباكها قد جف بعد، حتى فوجئ المتابعون بحذف اسم جنوب افريقيا (وهي أحد الأعضاء المؤسسين للمجموعة ) من قائمة الدول التي ستحضر القمة القادمة، والتي ستعقد في ملعب للجولف خاص بترامب نفسه في ميامي/فلوريدا. وهي المرة الأولى التي يستبعد فيها عضو من التكتل الذي يمثل أكبر اقتصادات العالم، من الاجتماع السنوي للمجموعة. ليس ذلك فقط، بل عمد الرئيس الأمريكي الذي وضع مساعدوه صورته ملوحا بقبضة يده على الموقع الرسمي للمجموعة مع مقطع من أغنية لفرانك سيناترا (!) إلى شطب جدول الأعمال التي أقرته قمة جوهانسبرج الأخيرة، ليضع بدلا منه جدولا يعكس رؤيته المفرطة في رأسماليتها. لا تنسوا أنه يعتبر نفسه (حصريًا) صاحب القرار في أي أمر من الأمور، ليس فقط في حدود مملكته الأمريكية، بل في العالم أجمع. ولذا رأينا في جلسة مجلس الأمن ذاته من تردد في تذكيره بأن فنزويلا، كغيرها «دولة مستقلة ذات سيادة»، وبأن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تمنع أي دولة، أو حتى الأمم المتحدة ذاتها من التدخل في الشؤون التي تُعدّ من صميم السلطان الداخلي لأي دولة، بما في ذلك «اختياراتها السياسية والنظام السياسي وقراراتها السيادية».
التذكير بميثاق الأمم المتحدة، أو بمثل تلك المبادئ المستقرة في القانون الدولي قد يكون غريبًا زمن ترامب، الذي هو بحق «زمن الغرائب»، فالرجل المولع، إعلاميًا بالتهديدات والإنذارات، كان قد أمهل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مهلة تنتهي قبل عيد الشكر ليوافق على خطته التي تقضي بتنازل أوكرانيا ليس فقط عن أجزاء كبيرة من أراضيها، بل وعن سيادتها سواء فيما يتعلق بحجم قواتها المسلحة، أو بحقها في الانضمام لأي منظمة أو مؤسسة دولية. هو كان أيضًا «أمهل» المقاومة الفلسطينية غير مرة، لكي تستجيب لخططه «الرأسمالية/الاستعمارية» غير محددة المعالم، وإلا سيفتح عليها «باب الجحيم».
ترامب؛ الذي لا ينفك يتباهى بترسانته المسلحة، كان من الطبيعي أن لا يعجبه أن يكون الوزير الذي يدير ترسانته تلك وزيرًا للدفاع Secretary of Defense فكان أن قرر تغيير المسمى (كما «الوظيفة») ليصبح وزيرً للحرب Secretary of War، وهو تغيير قد يبدو شكليًا، وإن كان في حقيقته، وفي سياق ما نراه من جموح وتهديدات رعناء لا يخلو من دلالة.
ترامب؛ الرئيس الذي يتباهى بقوته، والذي يعتقد ويقول بوضوح أن القوة (لا العدل) هي الكفيلة بحفظ الأمن والاستقرار، كان منطقيًا أن لا يعترف بقرارات أو اختصاصات محكمة «العدل» الدولية ICJ، إذا اقتربت من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان طبيعيًا أن يتجاوز موقفه من المحكمة الجنائية الدولية ICC رفض ولايتها في هذه القضية أو تلك، إلى قرارات وأوامر تنفيذية تقضي بفرض عقوبات على قضاة في المحكمة بسبب تحقيقاتها في اتهامات موجهة إلى مسؤولين إسرائيليين.
بالمناسبة، ولتكتمل الصورة: دعك من محاولات لم تتوقف لقتل الأونروا (التجسيد القانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين)، فبقرارات من ترامب في ولايتيه ، انسحبت الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة UNHRC «لموقفه من إسرائيل»، كما انسحبت من اليونسكو (للسبب ذاته). ثم كان ما عرفناه قبل أيام من توقيعه لمذكرة رئاسية تقضي بالانسحاب من 66 منظمة دولية «لأنها لا تخدم مصالح أمريكا» .. هكذا
***
في رواياته يُفرق نجيب محفوظ؛ الروائي العربي الأشهر بين «الفتوة»؛ الذي يستغل قوته، ومهابته في حماية الضعفاء وفرض العدالة، وبين «البلطجي»؛ الذي يستثمر القوة ذاتها في البطش وفرض الإتاوات، وتخويف هذا وذاك. لا أعرف لماذا تذكرت هذه الشخوص، عندما رأيت الرئيس الأمريكي يقايض بيرزنسكي على المعادن الثمينة التي تتميز بها بلاده مقابل ما قد يوفره له من حماية، وهو الأمر ذاته الذي تكرر، وإن اختلفت التفاصيل مع أكثر من قطر إفريقي تحت لافتة «السلام» الخادع.
يتميز بلطجية نجيب محفوظ أيضًا ببذاءة اللسان، وهي صفة لا أحسب أنها ببعيدة عن السيد الرئيس، ولا حتى عن طاقم مساعديه الذي لم تتردد إحداهن في الرد على سؤال لصحفي بدعوته إلى أن يسأل والدته.
لا غرابة إذن فيما بتنا نسمع في البيت الأبيض، أو في غرفته البيضاوية، فالرئيس، لا غيره لم يتردد في أن يصف عضوة الكونجرس إلهان عمر بكومة قمامة، مردفًا بأن «على الصوماليين هنا أن يعودوا إلى بلادهم»، وهو الخطاب العنصري ذاته الذي تبدى في حديثه الأخير عن مواطني «العالم الثالث».
ربما فاقت صفاقة الرئيس في ولايته الثانية، ما كان في ولايته الأولى، والذي ربما نسيناه، ولكن الأمر لا يعدو أن يكون اختلافًا في النسبة والدرجة، فلمن نسي كانت النيويورك تايمز قد أحصت في قائمة مطولة ما قد يفوق ما ورد في كتاب ابن قتيبة الشهير «المخصص في الألفاظ النابية والسباب».
***
وبعد،،
فربما كان التصريح الأكثر تكرارًا للرئيس صاحب الصورة «الجنائية» الشهيرة، والذي أنجته السياسة قبل عام من المحاكمة، والذي يحرص دائما على التلويح بقبضته هو ما سمعناه منه غير مرة: «أمريكا هي أقوى دولة في العالم، ولدينا جيش هو الأقوى في العالم، وعلى الجميع أن يعرف ذلك».
المثير أن التعبير ذاته، وإن اختلفت التفاصيل أو المصطلحات «الجغرافية» سمعناه من بنيامين نتنياهو؛ الذي قد تنجيه السياسة أيضًا من المحاكمة. قاله كعادته أمام الكاميرات قبل يومين فقط: «إسرائيل هي أقوى دولة في الشرق االأوسط، وعلى كل جيراننا أن يدركوا ذلك».
تُرى هل أدرك كل الجيران ذلك؟ أو بالأحرى: هل أدرك كل «الجيران» مغزى ذلك التصريح ودلالته؟!







ولمن نسي
https://www.instagram.com/reel/DSYYJg7Dw0U/?igsh=NDAxOHltY2NjcmZq