ها هم يرسمون الخرائط
ستنتهي الحرب، كما كل حرب… ولكن تبقى نتائجها. ونحن حتمًا من سيدفع الثمن.
بمشاركة عسكرية (ترامبية)، تشن إسرائيل حربًا مفتوحة على إيران.
هذا هو «الخبر» الذي لم يفاجئنا صباح السبت.
وسواء كنت ممن فاجأهم الخبر، أو ممن كانوا يتوقعونه، وأيًا كان موقفك من إيران؛ سياسيًا أو طائفيًا، يبقى في ثنايا المشهد كثيرٌ من التفاصيل التي علينا أن نتمعن فيها، لأنه بدونها لن تكتمل الصورة.
في خطاب الحرب يتذرع ترامب، وكذلك نتنياهو، بمحاولة إيران تصنيع قنبلة نووية. لا بأس. ولكن في التفاصيل:
1 ـ أن إيران، إن كانت تحاول (أكرر: تحاول) صنع قنبلة نووية، فإسرائيل لديها ترسانة كاملة من السلاح النووي.
2 ـ أن الاتفاق النووي الإيراني JCPOA، الذي كانت إدارة باراك أوباما قد عقدته مع إيران (يوليو/تموز 2015)، كان كفيلًا بمنع إيران من صنع هذه القنبلة «المفترضة»، بما فرضه من قيود، وبما قرره من حقوق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لاحظوا أن ترامب، لا غيره، هو الذي قوض هذا الاتفاق عندما قرر، في ولايته الأولى (مايو/أيار 2018)، الانسحاب منه (نكايةً بأوباما على الأرجح).
3 ـ أن ما ردده ترامب قبل أيام من الحرب، من أن الإيرانيين لم يقولوا «العبارة السحرية» التي تقضي بأنهم لن يصنعوا القنبلة النووية:
“We haven’t heard those secret words: We will never have.”
كان كاذبًا تمامًا، ومناقضًا لما سمعناه مرارًا وتكرارًا من المسؤولين في طهران. بل إن المعروف، للمطلعين على الملف، أن المرشد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال: إن عقيدتنا الدينية تحرم استخدام مثل هذا السلاح الذي يمكنه أن يقتل الأبرياء:
“We consider the use of such weapons as haraam and believe that it is everyone’s duty to make efforts to secure humanity against this great disaster.”
بل أكثر من ذلك، فوزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي لعب دور الوسيط الرئيس في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، كان قد قال لقناة CBS الأمريكية، قبل ساعات من الضربة الأمريكية/الإسرائيلية، إن إيران «وافقت على التوقف عن تخزين اليورانيوم المخصب، ما يعني أنها لن تمتلك أبداً كميات كافية منه لصنع سلاح نووي في حال التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة» (!)
هل بعد ذلك هناك من مازال يصدق ترامب في زعمه أنه ذهب للحرب ليمنع إيران من تصنيع قنبلتها النووية؟
تذكرنا أكاذيب ترامب، تبريرًا للحرب، بما كنا قد سمعناه في مجلس الأمن (5 فبراير/شباط 2003) من كولين باول، وزير الخارجية الأمريكي، عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وهي الكذبة التي استخدمها جورج دبليو بوش لتبرير الحرب على العراق.
هل تذكرون؟ كان توني بلير، الذي اختاره ترامب عرابًا لمشروعه بشأن غزة، جزءًا أصيلًا من هذه الكذبة وهذه الحرب المبررة بالأكاذيب وحدها.
يومها لم تنجح الولايات المتحدة في استصدار قرار يجيز لها استخدام القوة، ولكن بوش وبلير تلاعبا يومها بالميثاق الأممي والإرادة الدولية، متذرعين بما سُمّي بنظرية “إحياء التفويض السابق” (Revival Argument)، مستعيدين القرار 678 (1991)، الذي أنهى حرب الخليج الأولى، وكان الأساس القانوني لشن التحالف الدولي عملية «عاصفة الصحراء».
يومها لم يقتنع أحدٌ بأكذوبة بوش/بلير، فكان أن وصف كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة، حربهما بأنها:
“not in conformity with the UN Charter.”
وهو الأمر الذي تكرر بالأمس على لسان الأمين العام الحالي؛ أنطونيو جوتيريش تعليقا على الحرب الإسرائيلية/الأمريكية. قال نصًا:
“I condemn today’s military escalation in the Middle East. The use of force by the United States and Israel against Iran”
أيا كان ما قاله عنان وجوتيريش، فالواقع الذي علينا إدراكه يقول أن ما كان يحاوله بوش وبلير قبل عقدين من الزمان لإكساب الحرب شيئًا من الشرعية «الكاذبة» لم يعد يعني ترامب، الذي لا يكترث بالميثاق، ولا بغيره من القوانين.
بالمناسبة، وللتذكير فقط، أو ربما لإدراك ما صرنا إليه، وصار النظام الدولي، فإن ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4) يحظر استخدام القوة إلا في حال:
الدفاع عن النفس (المادة 51)، أو
وجود تفويض صريح من مجلس الأمن.
هل ذهب ترامب/نتنياهو إلى الحرب، لمنع إيران من تصنيع سلاحها النووي… (وفقط)؟
أحسب أن الإجابة القاطعة هي فيما قاله وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي لعب دور الوسيط الرئيس في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، لقناة CBS الأمريكية، قبل ساعات من الضربة الأمريكية/الإسرائيلية، من أن إيران «وافقت على التوقف عن تخزين اليورانيوم المخصب، ما يعني أنها لن تمتلك أبداً كميات كافية منه لصنع سلاح نووي في حال التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة» (!)
هل بعد ذلك هناك من مازال يصدق ترامب في زعمه أنه ذهب للحرب ليمنع إيران من تصنيع قنبلتها النووية؟
أحسب أن من السذاجة القول بذلك؛ ففضلًا عن أن ترامب نفسه هو الذي ألغى اتفاق أوباما (2015) الذي كان كفيلًا بتحقيق هذا الهدف، يكفي أن نعيد الاستماع إلى خطابي الحرب. كلاهما، نتنياهو وترامب، أعلنا أنهما يستهدفان «تغيير النظام في إيران». وكلاهما كانا قد قالا غير مرة إن إزاحة النظام الإيراني تفتح الطريق لشرق أوسط جديد.
أُدرك التعقيدات في مواقف دول لديها قواعد عسكرية أمريكية، أو تتوهم أن الحماية أمريكيةٌ «حصرًا». كما أدرك أن هناك من وصل بهم ضعفهم إلى تبني مبدأ «إيثار السلامة»؛ صمتًا، أو تخفيًا خلف عبارات دبلوماسية لا تمس جوهر المسألة.
وحدها سلطنة عُمان، التي كانت وسيطًا موثوقًا، لم تتردد في إعلان الحقيقة «المجردة» التي نعرفها جميعًا، ونسكت عنها جميعًا. فقالت في بيانها الرسمي «الأول» إنها تعتبر العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية «عملًا يتنافى مع قواعد القانون الدولي… وتحث مجلس الأمن على عقد اجتماع عاجل لفرض وقف إطلاق النار… كما تؤكد على حق الدول في الدفاع عن نفسها».
وبعد،
أُكرر: أيًا كان موقفك من إيران أو نظامها، وأيًا كانت نظرتك إلى موازين القوى المختلة، فعليك ألا تسمح لهذا الموقف أو تلك النظرة أن يخفيا ما هو جليٌّ من حقائق… أهمها:
أن إسرائيل، بسلوكها هذا، تتصرف بمنطق أنها «فوق القانون»، تضرب من تشاء وقتما تشاء. وهذا، حسب تصريحات نتنياهو المعلنة، هو المنطق الذي لن تتردد في استخدامه «مع الجميع».
الصامتون اليوم سيدفعون الثمن غدًا.
أن ما يجري الآن هو، ببساطة، الخطوة الإسرائيلية/الأمريكية الأهم نحو «شرق أوسط جديد» تهيمن عليه إسرائيل. (كيف؟ نخصص لهذا مقالًا قادمًا، بمشيئته تعالى).
………
يبقى أن الحرب ستنتهي، بما هو متوقع قياسًا بمعايير القوة.
ستنتهي الحرب، كما كل حرب… ولكن تبقى نتائجها.
ونحن حتمًا من سيدفع الثمن.
أكرر: يمكنك أن تلعن إيران كل يوم، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن ما يجري الآن هو الخطوة الإسرائيلية/الأمريكية الأهم نحو «شرق أوسط جديد تهيمن عليه إسرائيل»
روابط ذات صلة:
النص الرسمي للاتفاق النووي الإيراني JCPOA وملاحقه (14 يوليو/تموز 2015)





