ما لم نقرأه في ملفات إبستين
ما لم نقرأه في ملفات إبستين، وظني أننا لن نقرأه أبدا ــ أهم بكثير مما قرأناه.
<لم أعتد أن أكتب قبل أن ألمّ بكل جوانب الموضوع، وأطلع على ما هو متوافر من «وثائقه» ومعلوماته «الصحيحة». أعترف أن هذا لم يكن ممكنًا، ولا واقعيًا هذه المرة حين يكون أمامك ما يتجاوز الثلاثة ملايين من الوثائق، والمراسلات، والصور، ومقاطع الفيديو. ولكن الكتابة في مثل هكذا موضوع لم تكن أبدًا ترفًا يمكن الاستغناء عنه، فما لم تكشفه الوثائق بوضوح ربما كان أهم بكثير، بالنسبة لنا، من أفلام «ما بعد منتصف الليل»، التي أغرقتنا بها وزارة العدل الأمريكية/الترامبية.
دعك من التزييف، الممنهج على وسائل التواصل الاجتماعي لوثائق أو صور زعموا أنها ضمن الملفات. ودعك من استغلال ديماجوجي لما نُشر أو جرى تزييفه من تلك الوثائق تصفية لحسابات، أو نكاية في الخصوم. ترامب أول من فعلها كالعادة. ودعك من انشغالٍ مفهومٍ، أو مرضي بالجانب الجنسي في القصة، فهو بطبيعته الأكثر إثارة وتشويقًا، مع هكذا مزيج من توابل السياسة والمال والنفوذ .. والنساء. فرغم ما أخفته وزارة العدل (الترامبية)، التي حجبت ما قد يصل إلى 500 ألف صفحة، تظل الصفحات السياسية الأمنية في قصة الرجل الذي اختفى، بعد أن «احترق»، بمعنى: أنه لم يعد ممكنًا أن يستمر في مهمته، أيا كانت تلك المهمة ــ هي الأهم، بل ولا أبالغ إن قلت: «الأكثر إثارة وتشويقًا»
نفوذ الرجل، وشبكة علاقاته السياسية، والمالية، سمحا له باستدراج الكثيرين إلى دائرته اللزجة، ورغم أن بينهم من لم يكن يبحث قطعًا عن الفتيات أو النساء، بل عن تمويل لمشروع بحثي مثل عالم الفيزياء «المشلول» ستيفن هوكنج Stephen Hawking، أو عن انتشال من ضائقة مالية مثل فيلسوف اليسار الذي يقترب من عامه المائة ناعوم تشومسكي Noam Chomsky، إلا أن ورود أسماء أو صور لشخصيات بهذا الحجم، سواء أخطأت، أو لم تخطئ ساهم أيضًا في لفت الانتباه عن ما قد يعنينا نحن هنا من أوراق في هذه الملفات المليونية المتراكمة، بالضبط كما ساهمت شائعات وحكايا السوشيال ميديا، وصوره المزيفة.
فلا أحد مثلا يمكنه أن يجادل في أن بشار الأسد أجرم في حق شعبه، وفي حق أطفال شعبه، ولكن الزعم بأنه كان يرسل أطفال المعتقلين السوريين إلى جزيرة إبستين ليس أكثر من أكذوبة، إلا أنها في الوقت ذاته، ومهما كانت نية الذين روّجوا لها، أخفت ما هو أهم: وهو أن اسم الأسد لم يرد في ملفات إبستين إلا في إطار «تقارير سياسية»، لها رائحة أمنية استخباراتية نفاذة، تدفعنا إلى التوقف عند وجود مثل هذه التقارير (والمعلومات) ومثلها كثيرٌ جدًا، عن غير ذلك من شؤون عالمنا العربي، في ملفات من أُريد لنا أن نعتقد أنه مجرد «قواد».
من الناحية الإنسانية البحتة، قد أتفهم مثلا أن يرسل جمال مبارك، أو زوجته خديجة الجمال برسائل بريد إلكتروني لتيري رود لارسن Terje Rod-Larsen تحكي عن حالهما وعن محاكمة الرئيس المصري الأسبق، في تلك الأيام المشهودة من عام 2011 ولكن يستوقفني بالتأكيد أن تجد هذه المراسلات «الخاصة جدًا» طريقها في نهاية المطاف إلى صندوق بريد جيفري إبستين(!)
كلنا نعرف أن لارسن، الدبلوماسي النرويجي البارز كان مع زوجته Mona Juul ضمن الشخصيات الرئيسة التي قادت المفاوضات السرية بين الإسرائيليين والفلسطينيين (أوسلو) في التسعينيات، ولكني لا أظن أن أيًا منا يعرف لماذا يرسل بما يصله من بريد إلكتروني (خاص) فضلا عن تقارير يومية (Briefing ) عن ما يجري في الشرق الأوسط لهذا الأمريكي الثري، الذي ينظر إليه البعض على أنه مجرد قواد للفتيات الصغيرات. (لارسن وزوجته الآن محل تحقيق من السلطات النرويجية).
ليس ذلك فقط، بل ربما الأكثر مدعاة لأن نتوقف عنده، هو مجموعة الرسائل المتبادلة، (أخفت وزارة العدل اسم مرسلها) تحت عنوان: In israel . في تلك الرسائل نقرأ، ما إن لم يكن بالضرورة مثيرا للاهتمام، فهو على الأقل يدفعنا إلى التساؤل حول علاقة المصنَّف «قوادًا» بمثل هكذا موضوعات.
لأسباب مفهومة، قد لا يمكنني هنا أن أضع أو أُشير إلى كل ما اطلعت عليه، ولكن بين تلك الرسائل، ما يعود تاريخه إلى فبراير 2011 (وأنا هنا أضع النصوص كما هي):
يقول المرسل المجهول، والذي تشير الرسالة إلى علاقته بإيهود باراك:
Much anxiety re. We ditched mubarak. Is israel next? What r your views or what should I
read on broad israeli situation?
فيرد إبستين:
media driven, mubarak has a bit of dementia.( seriously ). Impossible to reason with, not “
ditched”. Television loves riots. Sulieman, military in a strong position. Are you meeting Ehud?
هل هذا مجرد قواد يتاجر في الصغيرات؟
دعك مما يواجهه كير ستارمر؛ رئيس الوزراء البريطاني بسبب تعيينه لبيتر ماندلسون سفيرا في الولايات المتحدة، فالسؤال الذي يخصنا هنا، أو يستوقفنا هو: ما الذي يدعو عضو مجلس اللوردات والسياسي البريطاني النافذ لأن يرسل برسالة بريد إليكتروني إلى جيفري إبستين في إبريل/نيسان 2011 ليخطره فيها أن هناك من طلب منه الذهاب إلى مصر في السادس والعشرين من ذاك الشهر؟!
أحسب أن الرجل لم يكن مجرد قواد، مهما تعددت جرائمه وضحاياه، ومهما كان قدر ثراء ونفوذ زبائنه، فنظرة سريعة على ما تتضمنه ملفاته من مراسلات «سياسية» وأمنية، وأطراف هذه المراسلات من مسؤولين، ورجال استخبارات كافية لأن تدفعنا للنظر ليس في الاتجاه الآخر، بل في «الاتجاه الصحيح».
Trump And Epstein’s Past Relationship | © NBC Nightly News
وسط الملايين الثلاثة من الوثائق، والمستندات، والصور، ومقاطع الفيديو، تقفز الأسئلة قبل الإجابات:
هل جيفري إبستين مجرم؟
نعم، هو مجرم. على الأقل بحكم ما قضت به محكمة فلوريدا (2008). بيد أن هذه الإجابة الواضحة، والقاطعة، والسهلة، تفتح الباب بدورها لسؤال قد لا نعرف إجابته:
هل «القوة» التي كانت وراء إخراجه من سجنه يومها، ليستأنف «مهمته» هي ذاتها التي كانت وراء وفاته الغامضة، بعد أن أصبح الخطر الحقيقي عليها متمثلا فيما يخفيه؟
الكل بات يعرف الآن أن المجرم «المتسلسل»، حصل يومها على حكم «شديد الليونة»، بل وسُمح له بمغادرة سجنه «المريح» 12 ساعة يوميًا، 6 أيام في الأسبوع (!). كيف حدث ذلك؟ ضعوا قطع البازل بجوار بعضها. (هنا رابط للتقرير «الرسمي» حول الموضوع، ورابط آخر يحكي التفاصيل)
كان النفوذ حاضرًا في التفاصيل، بالضبط كما رأيناه قبل أيام في إعلان شريكته؛ جيسلين ماكسويل Ghislaine Maxwell، التي تقضي حكما بالسجن عشرين عاما أنها على استعداد للإدلاء «بما تعرفه»، في حال حصلت على عفو رئاسي من دونالد ترامب، والذي كان محاميه الشخصي السابق قد ذهب إليها في يوليو/تموز الماضي، حيث تمضي عقوبتها في سجن بولاية فلوريدا. وتقول وثائق وزارة العدل أنها عقب الزيارة نُقلت إلى سجن يخضع لإجراءات أمنية أقل صرامة في تكساس. لماذا؟ دققوا في لوحة «البازل».
وبالمناسبة أيضا، تقول ماكسويل، حسب نص المقابلة المنشورة ضمن ملفات إبستين، إنها متأكدة أن جيفري لم ينتحر في السجن، إلا أنها، ربما خشية المصير ذاته، رفضت الإفصاح عن هوية من تظنه المسؤول.
هل كل من ورد اسمه في هذه الملايين من الملفات مجرم بدوره؟
لا، بلا إفراط ولا تفريط. فأن يرد اسمٌ ما في رسالة بريد إلكتروني، أو صورة لشخص ما في حفل عام (أكرر: حفل «عام») لا يمكن أن يمثل (وحده) إدانة لمن ورد اسمه أو صورته، ما لم تتضمن تلك الرسالة، أو هذه الصورة ما يشير إلى جرم أو خروج عن الأخلاق.
هل عمل جيفري إبستين لصالح الموساد؟
سواء أعطينا الكثير من الدلائل التي تشير إلى ذلك ما تستحقه من اهتمام، أو صدقنا محاولة بنيامين نتنياهو نفي المسألة في تغريدته الشهيرة التي استدعت ما يزيد عن 14 ألف رد (خلال ساعات)، فمن المؤكد أن إبستين هو من نوع الأشخاص الذين تستخدمهم عادة وكالات الاستخبارات، كما أن من المؤكد، تبعًا لما كشفت عنه ملفاته:
أنه كان على صلة وثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك.
أنه كان على صلة بمنظمات داعمة لقوات الاحتلال FIDF، وللصندوق القومي اليهودي JNF
أنه ناقش مع باراك مسألة الأموال التي تدفع إلى توني بلير نظير خدماته.
أن هناك مذكرة منسوبة للـ FBI تقول بأن أحد مصادرهم أخبرهم في 2020 أن جيفري إبستين يعمل لصالح الموساد a co-opted Mossad Age
وهذا هو الأهم، هو طبيعة ما ازدحمت به ملفاته من أوراق لا علاقة لها بتجارة القاصرات، بل بالسياسة، والاقتصاد .. والشرق الأوسط.
بالمناسبة، لا تعنيني ديانة جيفري إبستين، إن كان أصلا يعرف معنى الدين، فلست ممن يصنفون الناس على حسب معتقداتهم الدينية أيّا كانت، ولكن يستوقفني قطعًا إفراطه «الدال» في استخدام مصطلح “goyim” في مراسلاته، والذي يعني «الأغيار»، لدى اليهود، بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معاني، وما يرتبه من سلوكيات.
هل قُتل إبستين في زنزانته؟
كما توفي والد صديقته؛ روبرت ماكسويل Robert Maxwell؛ إمبراطور الإعلام المثير للريبة في ظروف غامضة (نوفمبر 1991)، كانت وفاة إبستين أيضًا غامضة. بالمناسبة، إبستين نفسه كتب في إحدى رسائله الإلكترونية (المفرج عنها) أن ماكسويل كان قد هدد جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، يقول إبستين في رسالته نصا «ما لم يعطوه [الموساد] 400 مليون جنيه إسترليني لإنقاذ إمبراطوريته المتداعية [ماكسويل]، فإنه سيكشف كل ما فعله من أجلهم»…
ثم كان ما نعرفه: غرق ماكسويل، قبل أن «يكشف».
هل كان إبستين «مجرد» قواد يبيع القاصرات لهذا وذاك؟
الإجابة القاطعة لا. فشبكة العلاقات «غير ذات الصلة» أكبر، وأهم بكثير من تلك الحفنة من البيدوفيليين؟ وطبيعة الموضوعات التي تكشف عنها مراسلاته، تجعل من العبث أن نكتفي بالاهتمام بذلك الجانب «المجرم» من القصة.
وبعد،،
فلست من مرضى «التفكير التآمري». وأعتقد أن أي حديث يظل في باب «الكلام المرسل»، كما يقول التعبير القانوني، ما لم يستند إلى بيانات ووثائق، أو براهين وأدلة وقرائن، ولكن يصعب عليّ؛ كمراقب ـ أن أغض الطرف عن ما ورد في «الوثائق المنشورة» مما يستوجب أن نضعه بجوار بعضه، في محاولة للفهم، أو لبناء صورة متكاملة. بالضبط كما نفعل في لعبة الفسيفساء jigsaw puzzle .
الثابت على أية حال إن ما لم نقرأه في ملفات إبستين، وظني أننا لن نقرأه أبدا ــ أهم بكثير مما قرأناه. وأن مافي الملفات، إلى جانب الكثير من الغث، ما قد يمثل كنزًا، لا لأولئك الباحثين عن الفضائح، بل لأجهزة الأمن القومي المعنية بما ورد فيها من أسماء ووقائع، وتفاصيل.






