«… وبيده مسدس»
العبرة في النهاية بالخواتيم، «وبالأثمان» التي سيدفعها من لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذه الهيستريا. (النسخة «المختصرة» من هذا المقال تُنشر في «عروبة22»٠
سوف نضربهم بما لدينا من «قوة هائلة» لنعيدهم إلى «العصر الحجري» الذي ينتمون إليه.
We are going to bring them back to the stone ages, where they belong.
هكذا قال رئيس أقوى دولة في العالم، متحدثًا عن الإيرانيين، لا عن نظامهم المستبد، بالمناسبة.
هل يملك الرئيس هذه «القوة الهائلة»؟
الإجابة: نعم.
هل توفر له قوته تلك القدرة على حسم الحرب/الصراع (ولا أقول المعركة العسكرية)، بالطريقة التي يريدها، والأهم على تحقيق ما أعلنه من أهداف لحربه تلك؟
أحسب أن من دون النظر في هذا السؤال، لا تكتمل الإجابة.
ـــــــــــــــــــــــــ
عندما سألني بالأمس القريب مذيع France 24، المثقف وسيم الأحمر، عن شعار ترامب/نتنياهو المفضل «السلام بالقوة» Peace Through Strength، وعن ما إذا كانت القوة وحدها كفيلة بحسم الصراعات، تذكرت عبارة شهيرة كانت قد وردت في رواية نجيب محفوظ «حديث الصباح والمساء»، تصف حالة العجز التي قد تصيبنا أمام شخصيات سياسية تفرض نفوذها بالقوة وبالسلاح، لا بالشرعية. تقول العبارة «المحفوظية» الشهيرة: «ما الحيلة؟ … أمامنا رجل يَدَّعي الزعامة وبيدِه مُسدس»
رغم ما يبدو في العبارة من تعبير عن العجز أمام هكذا قوة للسلاح، إلا أن الذي قرأها (للنهاية) يعرف أنها لم تنتهِ بانتصار المسدس، أو بتحقيق «أهداف» حامله وطموحاته، بل على العكس تمامًا؛ ينتهي بنا محفوظ في روايته إلى أن «من يحكم بالقوة، قد يسيطر لبعض الوقت، أو قد يبدو لنا ذلك، لكنه لا يحقق مبتغاه في نهاية المطاف».
دعك من درس فيتنام الكلاسيكي البعيد؛ يقول لنا التاريخ في دروسه الأقرب إن الأمريكيين ذهبوا إلى أفغانستان في السابع من أكتوبر 2001 للقضاء على حكم طالبان، ثم كان — والعبرة بالخواتيم — أن انسحبوا من أفغانستان في 21 أغسطس 2021 لتعود طالبان ذاتها (لا غيرها) إلى القصر.
عشرون عامًا من الحرب، ثم لا نتيجة سوى 300 ألف قتيل من الجانبين، وما يتجاوز 2 تريليون دولار أُنفقت على العمليات العسكرية. لم تنتهِ طالبان، ولم ينتهِ نظامهم، ولم يتغير شيء ذو قيمة على الأرض. اصطدمت «القوة الهائلة» بالمرتفعات الأفغانية الوعرة، مثلما غرقت قبل ذلك في وحل المستنقعات الفيتنامية الرطبة، وفي الحالتين بـ«العقيدة» التي لا يعرفها المغترون بقوة سلاحهم.
عادت كابول إلى الأفغان (الطالبيين) في صيف 2021، كما كانت سايجون قد عادت إلى الفيتناميين (الشماليين) في ربيع 1975، ولم يكن مشهد الهروب بالهليكوبتر من سطح السفارة الأمريكية في سايجون يختلف عن مشهد الذين يحاولون الهرب بالطائرة الأمريكية من مطار كابول. كان المشهد واحدًا، وكان الدرس واحدًا… ولكن الرئيس لا يقرأ.
هل «القوة الهائلة» كفيلة، وحدها بحسم الصراعات؟
يحاول ترامب أن يستدرج الأوروبيين إلى حربه «الإسرائيلية» بذريعة مضيق هرمز، وضمان حرية الملاحة فيه. هل تُشبه الليلة البارحة؟ ربما، مع اختلاف منطقي في التفاصيل. في منتصف خمسينيات القرن الماضي، كان إعلان السيطرة المصرية على قناة السويس (المصرية)، بقرار التأميم الذي أعلنه عبد الناصر، ذريعة لتدخل الانجليز والفرنسيين (رموز الاستعمار الكلاسيكي) إلى جانب إسرائيل (رمز الاستعمار الاستيطاني الجديد) في حرب على مصر (حديثة الاستقلال).
يومها، كان للعدوان (الثلاثي) أهدافه؛ المعلنة وغير المعلنة:
1ـ إستعادة السيطرة على القناة، بحجة ضمان حرية الملاحة.
2 ـ إسقاط نظام جمال عبد الناصر. ووقف المد القومي العربي المناهض للنفوذ الغربي.
ماذا كانت النتيجة؟
بحسابات القوة العسكرية: نجحت بريطانيا وفرنسا في تدمير القوات الجوية المصرية والسيطرة على الأجواء خلال ساعات.
بحسابات السياسة:
1 ـ استمرت سيطرة مصر عبد الناصر على القناة.
2 ـ لم يسقط عبد الناصر، بل أصبح بطلًا قوميًّا. الذي سقط فعليًا هو أنتوني إيدن Anthony Eden في بريطانيا، وجي موليه Guy Mollet في فرنسا.
الحرب في نهاية المطاف ليست أكثر من أداة لتحقيق الأهداف السياسية، والذي يعتقد أن قوته «العسكرية» وحدها كفيلة بتحقيق أهدافه «السياسية» لم يقرأ التاريخ.
***
هل «القوة الهائلة» كفيلة بحسم الصراعات؟
منطقيا لا تحسب النتائج إلا بالقياس إلي الأهداف.
في خطاب إعلان الحرب في 28 فبراير الماضي، دعا ترامب (كما نتنياهو) الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع للإطاحة بالنظام، الذي اعتقد، أن الحرب ستسقطه خلال أيام، أو أسابيع.
واقعيا، لم يسقط النظام. بل بدلا من أن نشهد مظاهرات للمعارضة في طهران، شهدناها في واشنطن وغيرها من المدن الأمريكية ضد ترامب ترفع شعار «لا للملوك». في مفارقة لافتة ودالة. فالشعب الإيراني الذي كان منقسما بفعل الاستبداد أصبح أكثر تماسكا بفعل التهديد الخارجي. والذي أصبح أكثر انقساما هو الشعب الأمريكي. حتى داخل حركة MAGA المؤيدة للرئيس. لم يخرج الإيرانيون ضد حكامهم، بل خرج الأمريكيون ضد حاكمهم الذي أثبت أنه لا يختلف في ميوله الديكتاتورية عن أكثر المستيدين، وإن اختلفت التفاصيل.
لن تتسع سطور هذا المقال لدحض فكرة أن «القوة العسكرية وحدها كفيلة بحسم الصراعات»، فكتاب التاريخ مزدحم بالدروس والشواهد والأدلة. و بالمناسبة، ترامب لم يخترع فكرة «السلام بواسطة القوة» التي يحاول أن يقنعنا بها، أو بالأحرى أن يبيعها لناخبيه. فالعبارة قديمة ولها جذور عميقة في نظريات المدرسة الواقعية في السياسة الدولية، يعرفها من درس Thomas Hobbes. وتعود إلى مقولة لاتينية شهيرة: Si vis pacem, para bellum «إن أردت السلام، فاستعد للحرب». بمعنى أن السلام يتحقق عبر «الردع» deterrence. ولكن مهلا. فالردع هنا لا يعني أكثر من أن تكون قويا فيرتدع الآخر، ويترك سلاحه في غمده. هذا لا يعني على الإطلاق أن تقوم أنت بفعل الحرب ذاته وتسميه سلاما. فإقدامك على هذا، أو محاولة «تسويقه» إن لم يكن محض مغالطة فهو محض غباء.، أو استغباء لمن يسمعك.
أعرف أن ترامب بات يكره كل ما هو فرنسي، خاصة بعد تصريحات ماكرون الأخيرة التي قال فيها أن «حرب ترامب/نتنياهو هذه لن تحقق السلام أو الاستقرار»، وأعرف أنه لا يقرأ. لكن قد يكون مفيدًا، له وللعالم المبتلى بوجوده في البيت الأبيض لو قرأ أحدٌ من معاونيه كتاب «عجز القوة» للمفكر الفرنسي، وأستاذ العلاقات الدولية برتراند بادي Bertrand Badie
قد يبدو كتاب الأكاديمي الفرنسي فلسفيا، وتنظيريًا بطبيعته. ولكن شرقنا الأوسطي الذي لا تنتهي حروبه كفيل بتوضيح أفكاره، إن لم يكن بإثبات نظريته. يذكرنا الكتاب أولا بأن الجيوش الحديثة، رغم تطوّرها التكنولوجي الهائل، أصبحت عاجزة عن التعامل مع «العدو غير التقليدي» الذي لا يملك جيشًا، ولا حدودًا، ولا مركزًا يمكن استهدافه. وبأنّ القوّة العسكرية لم تعد أداة فعّالة لإدارة الأزمات، بل قد تكون سببًا في تفاقمها. فالتدخّلات العسكرية على سبيل المثال غالبًا ما تخلق مقاومة محلية، وتؤدي إلى تفكّك الدول بدلًا من إعادة بنائها، فضلا عن أن المجتمعات أصبحت أكثر حساسية للخسائر البشرية، مما يجعل الحروب الطويلة غير مقبولة سياسيًا. ومع شبكات التواصل الاجتماعي (الضاغطة) بات من المستحيل إخفاء آثار الحرب والدمار، مما يخلق ديناميات لا يمكن تلافي أثارها.
وبعد،،
فأيا كان موقفك من الطرفين المتحاربين؛ إيران من ناحية، وإسرائيل وأمريكا من ناحية أخرى، وأيا كانت أمنياتك أو انتظارك لنتيجتها، فهذا لن يغير من طبيعة السؤال، ولا من إجابته. فدروس التاريخ وحدها كفيلة بالإجابة. والعبرة بالخواتيم، وبالأثمان التي سيدفعها ــ للأسف:
1ـ جيرانٌ؛ كان من الطبيعي، لعوامل جغرافية «وغيرها» أن تصيبهم «الشظايا».
2 ـ إقليم «تتشظى» صورته، ومستقبله في انتظار ما ستكون عليه خرائطٌ يُعاد رسمها، ويصرح راسموها علنًا بنواياهم.
3 ـ نظام عالمي استقر لعقود على أن تكون معادلات السلام والحرب مؤسسية، ولهذا اخترع أمما متحدة، ومجلس أمن، وميثاقًا، يعد أساسًا للقانون الدولي، ثم استيقظ فجأة على من يرفع معوله ليهدم كل هذا، بعد أن فهم خطأ، أو أراد إفهامنا أن الحرب هي الطريق إلى السلام، وأن الأقوى «عسكريًا» له أن يفرض إرادته المنفردة، وعلى «الآخر» أن يستسلم دون قيد أو شرط. هكذا سمعنا، نصا من الرئيس الأمريكي قبل أيام، وهكذا كنا قد سمعنا، وإن بصيغة، أكثر دبلوماسية أو خبثًا، سمها ما شئت من بنيامين نتنياهو حين «ذكّرنا» بحق إسرائيل؛ الأقوى «عسكريًا» في «أرض الأجداد»، أو كما وصفها في مناسبة أخرى: «الهيمنة» على أرض إسرائيل “الكاملة غير المجتزأة” - Eretz Yisrael HaShlema
يبقى أن عليّ أن أكرر ما قلته مئة مرة: لا جدال في أن النظام الإيراني؛ المستبد (كجيرانه) أجرم في حق شعبه أولا، وفي حق السوريين وثورتهم (الديموقراطية) ثانيا، ولكن هذا لا يغير من إجابة السؤال.
اللجوء للقوة الغاشمة لن يحقق هدفًا، ولن يأتي بأمن، ولا سلام ولا استقرار.
الأثمان باهظة .. ولا مجال للحديث عن «انتصار» مع مثل هكذا أثمان.
هل كان هناك بديلٌ للحرب، يجنب «الجيران»، والمنطقة، والعالم دفع ثمنها؟
الإجابة عند الوسيط العُماني (الخليجي، بالمناسبة)، قرأناها في بيان الخارجية العُمانية غداة الحرب، وفي تصريحات وزير الخارجية بدر البوسعيدي لقناة CBS الأمريكية قبل ساعات من بدايتها، كما كانت واضحة جلية في مقاله المهم في الإيكونوميست بعد أن بدأت الحرب فعلا.
من يبحث (صادقًا) عن الإجابة، سيجدها أيضًا عند باراك أوباما، وغيره من القادة الأوربيين الذين كانوا قد عقدوا اتفاقًا يضمن عدم حصول إيران على السلاح النووي، ويضع منشآتها النووية تحت الرقابة الدولية، وهو الاتفاق الذي مزقه ترامب عند توليه السلطة في ولايته الأولى. لماذا؟ لأنه لا يؤمن بالاتفاقات، والمعاهدات، والقانون الدولي .. هو رجل «يدعي الزعامة، ويحمل مسدسًا» … رحم الله نجيب محفوظ.






