يعرف الذين عاشوا، ودفعوا ثمن ثورات الربيع العربي المجهضة، تعبير «الطرف الثالث»، والذي كان يعني أيادي خفية، وإن كنا نعرف من وراءها، تستخدم كل طريقة ممكنة، بما فيها العنف بالطبع، لإفساد «سلمية» التظاهرات من ناحية، أو للعبث بكل ما يمكن الوصول إليه، بغية قطع الطريق على الأهداف النبيلة التي كان يسعى إليها شباب «الميدان».
كان «الميدان»، التحرير في الحالة المصرية، أو غيره من الميادين في هذه العاصمة العربية أو تلك، الساحة المنطقية لعمل «الطرف الثالث» وعملائه.
شيء من هذا يحدث الآن في «ميدان» الشرق الأوسط الكبير.
ـــــــــــــــــــــــــ
شئنا أم أبينا، فالحرب، التي أرادها البعض، والتي لم تحقق أيًا من أهداف من أشعلها في هذا الفجر الرمضاني، الجمعة الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، لن تنتهي، أيا كانت تفاصيل النهاية، دون أن تترك آثارها الجيوسياسية العميقة على المنطقة التي يعاد تشكيل خرائطها، أو على الأقل توازناتها. سواء عادت الحرب، التي لا يدفع ثمنها الأكبر سوى الجيران، أو انتهت إلى إعادة صورة وزيري الخارجية جواد ظريف، وجون كيري، مع فيديريكا موغيريني، عشية توقيع الاتفاق النووي الإيراني JCPOA في فيينا عام 2015.
الذين لم يرتاحوا في العام 2015، سواء أعلنوا ذلك بوضوح، مثل إسرائيل، أو لم يعلنوا، لم يخفوا اليوم مفاجأتهم، أو أنهم ليسوا مرتاحين لما جرى في إسلام آباد، ثم سويسرا، ممهورًا بالتوقيع النرجسي المميز لدونالد ترامب، والذي اختار أن تكون صورته في قصر فرساي، المثقل بالنوستالجيا والتاريخ، حروبًا ومعاهدات.
سمها صفقة، أو مذكرة تفاهم، أو اتفاقًا، لا يهم. الأهم هو ما ستؤول إليه في نهاية المطاف. وهل هناك من بين «غير المرتاحين» من سيعمل على إجهاضها؟ وهل سينجح في ذلك؟
لا أحد، مع ما نعرفه من مقدمات، وطبيعة شخوص تصادف أنها تتولى مسؤولية القرار، يمكنه أن يعرف الإجابة. ولكننا جميعًا نعرف أن إسرائيل، وليس فقط نتنياهو، كانت الأكثر وضوحًا في إعلان صدمتها ورفضها للصفقة، رغم ما في ذلك من مقامرة بخسارة الحليف الوحيد.
بحكم الموروث الثقافي، يجيد هؤلاء الانحناء للعاصفة، أو بالأحرى المراوغة، واللعب تحت الطاولة، أو فوقها، باستخدام كل أوراق الضغط الممكنة.
رغم ما نعرفه عن تاريخ الرئيس الأمريكي، ورغم الشواهد الكثيرة على علاقة الموساد بالسمسار/القواد الأمريكي الشهير «إبستين»، فقد لا يكون دقيقًا ما ذكره Ari Ben-Menashe، مسؤول الاستخبارات الإسرائيلي السابق، قبل أيام، على الهواء مباشرة، من أنه لا يستبعد أن يلوح نتنياهو، من طرف خفي، بنشر ملفات إبستين التي تستهدف مسؤولين في الحكومة الأمريكية، بمن فيهم ترامب.
ربما لا أكون في موضع يسمح لي بتأكيد ما ذكره رجل الاستخبارات الإسرائيلي من تفاصيل، غير المستبعدة، ولكني قطعًا لست بحاجة إلى التأكيد على أن الإسرائيليين لم يتورعوا يومًا عن اللجوء إلى أية أساليب، مهما كانت قذرة، أو مضرجة بالدماء، لتحقيق مثل هذه الأهداف.
هم اغتالوا يومًا ا الكونت فولك برنادوت، الذي اختارته الأمم المتحدة عام 1948 ليكون وسيطًا بين العرب واليهود بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، لا لشيء إلا لوأد «خطته للسلام»، التي اقترح فيها بقاء القدس بأكملها تحت السيادة العربية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا من القتال، أو طردتهم القوات اليهودية، إلى بيوتهم، واستعادة ممتلكاتهم. فكان، ببساطة، أن اغتالوه في 17 سبتمبر/أيلول 1948.
المحاولات الاستخباراتية الإسرائيلية للتأثير على مجريات الأحداث وموازين القوى في الشرق الأوسط لم تتوقف يومًا.
في شهر يونيو/حزيران 1954، وبهدف إفشال المفاوضات المصرية البريطانية بشأن انسحاب القوات البريطانية من قناة السويس، قامت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بتفعيل خلية إرهابية يهودية مصرية، لتخريب مرافق بريطانية وأمريكية، ومصالح غربية في مصر، والإيعاز بأن هذه العمليات تمت من قبل خلية مصرية. نجح المصريون، في نهاية المطاف، في إفشال العملية التي عرفت باسم «فضيحة لافون»، نسبة إلى وزير الدفاع آنذاك.
أهداف إسرائيل الاستراتيجية، ناهيك عن أهداف نتنياهو الانتخابية و«القضائية»، في إفشال الاتفاق الأمريكي الإيراني، لا تقل بحال عن الأسباب التي دعتها إلى التورط في فضيحة لافون.
قد لا يكون ما نعرفه من محاولات إسرائيلية «مؤكدة» لإفشال اتفاق إسلام آباد، ومفاوضات الدوحة، بأكثر مما لا نعرفه، من أساليب استخباراتية أو ضغوط متنوعة على مراكز اتخاذ القرار، ولكنه جلي ومؤثر، ودال.
يقول النص «الرسمي» للبند الأول من مذكرة التفاهم تلك، كما ورد في الوثيقة التي أرسلها البيت الأبيض إلى الكونغرس:
«تعلن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤهما في الحرب الحالية، بموجب توقيع هذه المذكرة، الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهدان، من الآن فصاعدًا، بعدم الشروع في أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، وضمان السلامة الإقليمية والسيادة اللبنانية. وسيؤكد الاتفاق النهائي الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وسائر أحكام هذه الفقرة».
بعد يوم واحد فقط من توقيع المذكرة، ارتكبت إسرائيل 84 خرقًا للبند المتعلق بوقف العمليات في لبنان، ناهيك عما جرى بعد ذلك. هل هناك من يمكنه أن يجادل في تأثير هذا الفعل الإسرائيلي المقصود، وفي كونه يعطي للإيرانيين ذريعة تجر ما وراءها؟
هل يمكننا أن نتجاهل ما نقلته شبكة CNN عن مصدر إسرائيلي، أن رئيس الوزراء نتنياهو يسعى إلى التأثير على مسار الاتفاق عبر توظيف شخصيات إعلامية محسوبة على اليمين الأمريكي، إلى جانب أعضاء في مجلس الشيوخ، بهدف ممارسة ضغوط غير مباشرة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟ بالمناسبة، صحيفة يديعوت أحرونوت (Ynet) الإسرائيلية أشارت، في تقريرها عن الموضوع، إلى أسماء بعينها.
هل يمكننا أن نتجاهل أن ما ذكره ترامب قبل يومين في أنقرة عن «محاولة إيرانية لاغتياله»، كان مصدره تقرير كتبه الموساد ليرسله إلى واشنطن؟ أليس لمثل تلك التقارير تأثيرها على مثل هذا الرئيس الذي لم يحترم أبدًا تعهداته؟
بخطابين متعجرفين، متزامنين، متشابهين في اللغة والأهداف، ذهب ترامب مع نتنياهو صباح ذلك اليوم الرمضاني إلى حربهما، التي لم تحقق أيًا مما أعلناه من أهداف لها، بعد أن طالت أكثر مما توقعا، وأطول مما انتظر حلفاؤهما. فكان، رغم تشابه خطابات الذهاب، أن تباينت حسابات العودة. ففي حين حاصرت كوابيس أفغانستان، وقبلها فيتنام، فضلًا عن أرقام استطلاعات الرأي، الرئيس الأمريكي الذي أدمن انتقاد أسلافه، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي على استعداد للمخاطرة بمستقبله السياسي، بل وربما بدخوله السجن. فكانت المكالمة الهاتفية «المتوترة» الطويلة (16 يونيو/حزيران)، قبل ساعات من الإعلان الرسمي عن الاتفاق.
بعدها، وفي لغة غير مألوفة بين «الشركاء»، خرج نتنياهو، الذي بدا مصدومًا، على الصحفيين ليقول: «إن إسرائيل ليست ملزمة بالاتفاق الأمريكي الإيراني»، ولكنه سرعان ما أدرك أن هذا هو ترامب الذي قال يومًا إنه «لو ترشح في الانتخابات الإسرائيلية، سيكسبها». فكان أن خفت حدة الخطاب، استدعاءً للتقليد القديم: «بدلًا من أن تقف أمام القطار، الأفضل أن تعمل على تغيير مساره».
هل تنجح إسرائيل في تغيير مسار إسلام آباد/الدوحة، والعودة بترامب، الذي نعرفه، إلى الحرب؟
لا أحد لديه الإجابة القاطعة. ولكن لا أحد أيضًا إلا ويعلم أن إسرائيل لن تعدم الوسيلة، ولديها، ثقافيًا واستخباراتيًا، الخبرة الطويلة في ذلك.
***
وبعد،
دعك من التصريحات الجوفاء للرئيس، الذي من الحكمة تجاهل تصريحاته، فمن المؤكد أن الأمريكيين والإيرانيين لا يريدون العودة إلى الحرب. ولكن من المؤكد أيضًا أن الإسرائيليين يريدونها، وأنهم، استخباراتيًا، وبالاستعانة بلوبياتهم في واشنطن، أو غير ذلك من أوراق الضغط، المعلنة وغير المعلنة، لن يتوقفوا عن محاولة الدفع في اتجاه ذلك.
فقط للتذكرة، مضيق هرمز، الذي أصبح إعلاميا فجأة وكأنه الموضوع الوحيد للحرب، كان مفتوحا على مصراعيه وبلا أي رسوم قبل أن يبدأ ترامب ونتنياهو حربهما.
هو بالتأكيد ليس السبب المنطقي للعودة إليها، ولكنه، علي الأقل حاليا: الذريعة المناسبة لذلك. ترامب يبحث عن «أكذوبة انتصار» يبيعه، والاسرائيليون، الذين خشوا تهميشهم يبحثون عن أي مكان لهم، ولو تحت الطاولة.





ترامب اوقف الحرب فقط ليتحايل علي مدة ال ٦٠ يوم التي يجب ان يعود فيها للكونجرس للسماح له باستمرار الحرب وايضا حتي يسمح بمباريات كاس العالم ان تقام بعيدا عن اجواء الحرب... ترامب لن ينهي حربه علي ايران قبل اسقاط النظام بها وتدمير البلد تماما وطبعا سيكون بخسائر باهظة لبلدان الخليج