حسنًا فعل المصريون حين أكدوا في بياناتهم (الرسمية) ضرورة الحرص على عدم الانزلاق إلى ما قد يكون في ذاته هدفًا للعملية «المدبرة».
فالحكيم هو من يختار معاركه، لا من يسمح لغيره باستدراجه إليها.
صحيحٌ أن العملية «الناجحة»، بتفاصيلها «الموجعة»، كانت كاشفةً لكثير من المسكوت عنه. بَيْدَ أَنَّ تلك مسألةٌ أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــ
«I’ve been briefed».
على غير عادته، كان رد الرئيس الأمريكي مختصرًا عندما سأله الصحفيون في البيت الأبيض عن الهجوم على وحدة الغاز الأمريكية في دمياط. لم يوجه الاتهام (التقليدي) إلى «النظام المارق the rogue regime»، أو إلى «الدولة الراعية الأولى للإرهاب في العالم the world’s leading state sponsor of terrorism»، كما هي مصطلحاته المعتادة.
كان نتنياهو ما زال في واشنطن، التي يزورها للمرة الثامنة بعد عودة ترامب، وكانت بؤر الاشتعال تتناثر جغرافيًا في المنطقة الملتهبة، بعد أن نجح من نجح في وأد مذكرة التفاهم الأمريكية بعد أيام فقط من توقيعها. لم تعد الحرب أمريكية إيرانية فقط، أو حتى إسرائيلية إيرانية كما بدأت في رمضان الماضي، كما لم يقتصر الأمر حتى على رذاذ يطال الخليج، الجار الذي صار، دون قرار، طرفًا في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. فعشية ما جرى في دمياط، كانت أنباء ما جرى بين السعودية والعراق من ناحية، وبينها وبين اليمن من ناحية أخرى، قد قفزت فجأة إلى نشرات الأخبار.
اتسعت رقعة التوتر، كما ازدادت سخونته، وإن لم تكن بالضرورة هي «الحرب» بمعناها الكلاسيكي القديم. ولكن اتساع الدائرة، وطبيعة الأطراف (العربية، العربية)، لا يمكن إغفالهما عند الحديث عن التغيرات الجيوستراتيجية في المنطقة المضطربة، سواء كانت ممنهجة ومقصودة، وأحسب أنها كذلك، أو كانت مجرد «توابع» للزلزال، Aftershocks، يعرف الجيولوجيون أنه لا مفر منها لإعادة الاستقرار والهدوء.
أيًا كان صاحب الطائرة الهجومية المسيّرة، فلم يكن ما حدث في دمياط، الميناء المصري الهادئ، بعيدًا عن كل ذلك، كما لعله أيضًا لم يكن بعيدًا عن الخطط الإسرائيلية (القديمة والمعلنة) لتغيير خرائط الصراع في المنطقة، لتصبح طائفية دينية، بدلًا من كونها صراع حقوق لشعب سُلِبت أرضه على يد كيان لا يخفي خططه للهيمنة على مقدرات المنطقة بأكملها.
أسئلة دمياط كثيرة،
فإلى جانب السؤال الملح جماهيريا »من الفاعل؟»، أو السؤال الأسهل: »من المستفيد؟»، هناك أسئلة تفصيلية، لا يمكن تجاهلها، إن أردنا فهما حقيقيا لما جرى، أو بالأحرى وضعه في سياقه:
1 ــ لماذا دمياط تحديدًا، وليس بورسعيد أو الإسكندرية، أو العين السخنة على البحر الأحمر الأقرب إلى هذا الطرف أو ذاك؟
2 ــ لماذا استُهدفت وحدة تخزين وإعادة تغويز (FSRU) وليس ناقلة نفط عادية؟
3 ــ هل كان المقصود توجيه رسالة إلى مصر، أم إلى أوروبا التي تعتمد على الغاز القادم عبر البنية التحتية المصرية، أم إلى الولايات المتحدة باعتبار أن السفينة المستهدفة مرتبطة بشركة أمريكية؟
أحسب أن النظر في هذه الأسئلة، حتى وإن لم نصل إلى إجابة حاسمة لها قد يقودنا إلى فهم »للسياق» قد يكون بأهمية البحث عن من أطلق الطائرة المسيّرة.
بداية، لم يكن هدف الضربة عسكريًا تقليديا، أي إحداث أكبر قدر من الضرر في الموقع المستهدف، فالمعلومات كما قال البيان المصري تشير إلى أضرار محدودة.
4 ــ ما هدف العملية إذن؟ ومن هو المستهدف بها؟
5 ــ هل كانت مصر هي الهدف، أم كانت مجرد مسرح للعملية، أي المكان الذي تمر عبره الرسالة »إلى من يهمه الأمر«؟
وقبل ذلك، لماذا دمياط تحديدًا؟
دعك من أن الدفاعات الجوية، في ميناء تجاري، ليست كمثيلتها طبعا في المواقع العسكرية، أو عند العاصمة، فالأهم من ذلك أن في هذا الميناء تحديدًا أكثر منشآت الغاز أهمية لأوروبا، الأمر الذي اكتسب أهمية خاصة مع تداعيات الحرب الأوكرانية. لاحظوا أن الهدف كان سفينة غاز، وليس ناقلة نفط أو سفينة بضائع.
لماذا دمياط؟ أو بالأحرى، ماذا تقول لنا، جغرافيًا، حقيقة أن الضربة حدثت فيها لا في غيرها؟
لو كانت المسيّرة قد جاءت من البحر المتوسط، فإن دمياط، لا العين السخنة، أو غيرها من موانئ البحر الأحمر، تصبح هدفًا أسهل بكثير. أما إذا كانت قد جاءت من مكان آخر، فلربما كانت «الرسالة»، باختصار، هي إثبات القدرة على الوصول، Capability Demonstration.
لمن كانت «الرسالة» إذن؟
هل هي إلى أوروبا لرفع كلفة الحرب واستمرارها؟ أم إلى مصر، من الطرف الثالث، في محاولة مفضوحة لجرها، هي أيضًا، إلى تلك الحرب المفتوحة، أو على الأقل لتشتيت انتباهها عن ملف غزة، الذي هو في صلب أمنها القومي؟
أسئلة دمياط كثيرة.
إن أخذنا في الاعتبار ما يسميه المحللون العسكريون بقيود التنفيذ (Operational Constraints)، ستقفز إلى الطاولة أسئلة أخرى، ربما لا نملك أيضًا إجاباتها القاطعة، ولكنها تظل، كأسئلة، كاشفةً ودالة، لأنها تستبعد فرضيات قد لا يمكن تنفيذها عمليًا:
6 ــ كيف تمت هذه العملية، بالطريقة التي تمت بها؟
7 ــ كما يبدو مما نعرف حتى الآن، أن الضربة كانت دقيقة، بحيث لا تتجاوز هدفها، فمن ذا الذي يمتلك تلك القدرة على الاستطلاع والاستخبارات (ISR)، وليس مجرد طائرة مسيّرة لدى هذه الجماعة أو تلك؟
8 ــ من كان بوسعه، جغرافيًا وتقنيًا، الوصول إلى الهدف دون اكتشاف مبكر؟
9 ــ ثم، وجغرافيًا أيضًا، ما مدى الطيران المطلوب لتصل الطائرة المسيّرة من هذه الدولة أو تلك إلى دمياط، التي تقع على البحر المتوسط لا البحر الأحمر؟
10 ــ هل من الوارد أن تكون المسيّرة قد جاءت من البحر ذاته، من سفينة نجحت في التسلل، بدعم استخباراتي، إلى مكان قريب؟ أو أن الأمر برمته لا يعدو أن يكون «عملية استخباراتية» اعتمدت على خلية جرى زرعها، لتستخدم عند الحاجة؟ وهو الأسلوب الذي نعرف بالتجربة أنه المفضل عند استخبارات (العدو). بالمناسبة، بنيامين نتنياهو لم يتورع عن التهديد باللجوء إلى مثل هذا الأسلوب (الخلايا) في رده على إعلان عمدة نيويورك اعتزامه «تطبيق القانون» في حق رئيس الوزراء الإسرائيلي حال زيارته العاصمة الأمريكية الثانية.
وفق ما نعرف حتى الآن:
ــ أن عملية دمياط، رغم جسامة الدلالات، وإرباك الأسئلة ــ كانت محدودة. كما لم تكن هناك أي مؤشرات على محاولة لتكرار الهجوم، ليصبح موجة من الهجمات المتتابعة، كما هي العادة في مثل تلك الهجمات.
ــ لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية. بل على العكس، تبارى جميع «المتهمين» في الإشارة بإصبع الاتهام إلى الطرف الآخر.
وهذا النمط يشبه ما يسمى في الدراسات العسكرية Strategic Signaling، أي عملية واحدة محسوبة، هدفها إرسال رسالة، لا فتح جبهة عمليات مستمرة.
أسئلة دمياط كثيرة.
ووفق المعطيات (المعلنة)، لا نملك قطعًا إجابات حاسمة لها، ولكننا نملك أن نضع الأمر «في سياقه»، وأن ننظر في التفاصيل (والكواليس).
في التفاصيل، تصريحات مبكرة للسيد بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة (العدو)، تعود إلى عام 2017، يقول فيها نصًا:
We are working hard to forge an effective alliance with the modern Sunni states to confront Iranian aggression
أي: «نعمل جاهدين على إقامة تحالف فعال مع الدول السنية لمواجهة العدوان الإيراني.»
وفي التفاصيل، دراسة Oded Yinon، المسؤول السابق في الخارجية الإسرائيلية، بعنوان:
A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties.
وفيها يقول إن مصلحة إسرائيل تكمن في تفكك الدول العربية إلى كيانات أصغر «على أسس إثنية وطائفية».وفي التفاصيل، جهد واضح وممنهج على وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة النعرات الطائفية، واستحضار سيوف صدئة لفتنة عمرها أربعة عشر قرنًا من الزمان.
وفي التفاصيل، يحاول السيد ترامب أن يجر سوريا/الشرع، إلى فخ الطائفية اللبنانية. ربما لا يعرف الرئيس الأمريكي (الحليف الأول لإسرائيل) تاريخ المنطقة جيدًا، كما أنه، قطعًا، لا يدرك ثقل التاريخ والجغرافيا، ولا ما يمكن أن تأتي به محاولته الساذجة، أو ربما الماكرة.
وفي التفاصيل، كتاب لباحث إسرائيلي متخصص في الاستراتيجيات والأمن القومي، عمل مستشارًا للجيش الإسرائيلي، واسمه يهود إيلام، Ehud Eilam. عنوان الكتاب:
«The Next War between Israel and Egypt»
ويقدم فيه كاتبه تصورًا «عسكريًا» تفصيليًا لحرب «محتملة» بين إسرائيل ومصر.
✦ ✦ ✦
وبعد،
فصحيح أننا لا نعرف بعد من أرسل المسيّرة إلى الميناء البعيد (أو القريب، حسب الجهة المسؤولة عن الهجوم)، ولكننا نعرف قطعًا أن غطرسة القوة الأمريكية، الإسرائيلية، هي المسؤول الأول والوحيد عما تدفعه المنطقة من أمنها واستقرارها.
أسئلة دمياط كثيرة.
هذا صحيح بالتأكيد، ونحن، بالتأكيد أيضًا، لا نملك (الآن) كل الإجابات. إلا أن هذا كله لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن السؤال الأهم: من هو العدو (الحقيقي)، بمقاييس التاريخ والأمن القومي، وما هو معلن من مخططات، وبرغم كل محاولات التضليل وقلب الأوراق؟
أكرر: من هو العدو؟
أحسب أننا جميعًا نعرف الإجابة، وإن كان بيننا، للأسف، من يتناساها.







تحليل رصين كالعادة
استاذ ايمن
تحياتى
الارجح ان إسرائيل وراء حادثة دمياط. مسيراتها تغطي المنطقة وتقتل وتقصف وتستهدف الأطفال قبل الكبار وهي الأقرب لدمياط. وأتبعت الحادثة بإعلانها زيادة شحنات الغاز الطبيعي لدمياط.