هل تذكرون مقطع الفيديو المولَّد بالذكاء الاصطناعي لما أسماه يومها «ريفيرا الشرق الأوسط»، والذي نشره الرئيس الأمريكي، لا غيره على صفحته «الرسمية» قبل حوالي العام، وكان محلا للنكات والسخرية؟
وهل تذكرون أن حديث ترامب للمرة الأولى عن رؤيته «الاستثمارية» تلك لمستقبل غزة، كان وهو يقف إلى جوار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد اجتماع مطول لهما في فبراير/شباط 2025؟ يومها قال نصا: سنأخذ قطاع غزة.. «سنتملكها»
the US “will take over the Gaza Strip”, “own it” and turn it into the “Riviera of the Middle East».
يومها، وكما كانت غزة حاضرة هكذا في النوايا «الاستحواذية/الاستعمارية» المعلنة للرئيس، كانت أيضًا حاضره في القرار «الدال» الذي أصدره في اليوم ذاته بمعاقبة قضاة المحكمة الجنائية «الدولية» لتجرؤهم على التحقيق في ما ارتكبه المسؤولون الإسرائيليون من جرائم حرب في القطاع المنكوب. يا لها من مصادفة، لا تقول لنا غير أنها لم تكن غير ضوء أخضر لتسوية ما تبقى من القطاع بالأرض، ليصبح جاهزا للمشروع «العقاري/الاستعماري» الذي أعلن عنه السمسار/الرئيس.
ربما نسينا، ولكن ترامب لا ينسى، ولا يتراجع حين لا يجد أمامه من يوقفه. فمقطع الفيديو الشهير ذاك عن ريفيرا الشرق الأوسط، أو TRUMP GAZA كما ورد «حرفيًا» في الفيديو كان حاضرًا وبقوة (أو بالأحرى: ما يعنيه؛ جوهرًا وتفصيلًا) في الاحتفال الاستعراضي بتوقيع ما أسماه «ميثاق مجلس السلام» قبل أيام في دافوس.
كان ترامب واضحا حين قال في كلمته الختامية: «أنا رجل عقارات.. والأمر كله يتعلق بهذا الموقع الجميل». وكان صهره أكثر وضوحا حين قدم عرضا بشرائح مصورة لناطحات سحاب سيتم بناؤها على شاطئ القطاع المدمَّر.
بالأرقام، ذكرنا جاريد كوشنر، وهو يعرض شرائحه الملونة على الشاشة ـ أن هناك 60 مليون طن من الأنقاض يتعين إزالتها. وأن 90 ألف طن من الذخائر أسقِطت على غزة. ولكنه لم يقل لنا أبدا إن إسرائيل كانت وراء ذلك. كما لم يقل لنا أبدا أن هذه الأطنان من الذخائر «أمريكية»، كما غابت عن أرقامه أن 71 ألفًا من الفلسطينيين فقدوا أرواحهم، وأن 171 ألفًا أصيبوا أو تحولوا إلى معاقين. فضلا عن حقيقة أن معظم هؤلاء من النساء والأطفال.
ترامب نفسه عندما تحدث عن السلام في غزة (أو بالأحرى عن «إنجازه» للسلام في غزة) اقتصر حديثه على إعادة المحتجزين (الإسرائيليين)، ونزع سلاح المقاومة. لم يتطرق، من قريب أو بعيد إلى هؤلاء الضحايا، أو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها (بالمناسبة، إسرائيل تسيطر على ما قد يصل إلى 63٪ من أراضي القطاع).
كان السلام حاضرًا في اللافتة الضخمة التي علت منصة الاحتفال، ولكنه كان غائبًا في كل ما سمعناه من كلام «دعائي»، معظمه عن إنجازات السيد الرئيس. فهكذا تكلم ماركو روبيو، وستيف ويتكوف. لم نسمع على المنصة كلمة واحدة عن «الشعب» الفلسطيني، أو «دولته» المفترضة.
دعك من مفهوم «السلام القائم على العدل»، فلعله شعارٌ قديم لم يعد له مكان في عالم المتغطرسين قوة، أو المتخاذلين هوانًا.
ودعك من عدم واقعية ما عرضه على الشاشة «المقاول» الصغير.
فلنكن براجماتيين، كما هو حال «السماسرة». لم يقل لنا أحدٌ:
هل السلام ممكنٌ دون دولة فلسطينية؟
هل السلام ممكنا دون إعطاء الشعب الفلسطيني الحق في تقرير مصيره؟
لم يقل لنا أيهم أبدًا:
أي جواز سفر سيحمله هؤلاء الفلسطينيون الغزيون الذين يقول السيد كوشنر إن خطته ستوفر لهم آلافًا من فرص العمل؟
لم يقل لنا «السماسرة»: لماذا لم تشمل صفقتهم المفترضة قيام دولة فلسطينية، حتى ولو كانت «منزوعة السلاح»، منقوصة السيادة، كما يقترح محمود عباس؟
ترامب ليس فقط غير مهتم بمسألة «الدولة»، بل لا يعنيه ما سيحدث للفلسطينيين «البشر». هو اقترح، وما زال في باله ـ أن يُجبروا على المغادرة (طوعيًا) إلى مكان آخر. هو لا يبحث عن السلام (بمعناه الحقيقي)، بل عن هدوء، أو بالأحرى «سكون» يسمح له بتشييد المنتجع الذي عرض صهره مخططّه «العقاري» على المنصة في دافوس، ونشر هو «إعلانه الترويجي» في مقطع الفيديو الحافل بالمشروبات، والراقصات قبل حوالي العام، وعرض ووضع البنود العشرين لخطته «فضفاضة» كي تسمح له تفسيراتها المراوغة كعادته بالوصول إلى غايته.
لا يريد ترامب، ولن يعمل مجلسه على أن تكون للفلسطينيين «دولة». دعك من أن الحديث عن الدولة، أو حتى «الطريق إليها»، كما هي العبارة الدبلوماسية الخادعة المعتمَدة، لم ترد الإشارة إليه من قريب أو بعيد في خطاباته المطولة في دافوس أو في وثائق مجلسه المفترض، لا تنسوا من فضلكم أنه قبل أشهر فقط عمل كل ما في وسعه لإجهاض «المؤتمر الدولي رفيع المستوى لتسوية القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين»،الذي رعته فرنسا والمملكة العربية السعودية ضمن فعاليات الاجتماع السنوي الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2025). كما لا تنسوا أن محاولاته المتكررة لإقصاء سلطة أوسلو، والتي وصلت إلى حد منع رئيسها (محمود عباس) من الوصول إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة، بالمخالفة للقانون الدولي، ولاتفاقية المقر، لم تستهدف في حقيقة الأمر عباس، أو جماعته، وإنما فكرة «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني». هو لا يعترف بالفلسطينيين «كشعب»، له الحق، ككل شعوب العالم في تقرير المصير. ولذا كان واضحًا حين تماهى مع الإسرائيليين، منذ ولايته الأولى في محاولة القضاء على الأونروا (التجسيد القانوني الوحيد الذي مازال حيًا لقضية اللاجئين الفلسطينيين).
لا تنسوا من فضلكم حين قال عن إسرائيل «الدولة» إن مساحتها «أقل مما ينبغي». كيف ستزيد مساحتها إذن، إن لم يكن على حساب الأرض المفترض أن تكون «لدولة فلسطينية قادمة»؟ هل تذكرون كيف استنكر علنًا ما كان من اعترافات من دول غربية بالدولة الفلسطينية؟ نوايا ترامب وخططه شديدة الوضوح. وإن لم يكن بإمكاننا أن نراها بهذا الوضوح، فقد كفانا سفيره لدى الدولة العبرية عناء التدقيق وإمعان النظر. حين قال لقناة بلومبيرج في يونيو الماضي أن «الولايات المتحدة لم تعد تُؤيد تمامًا قيام دولة فلسطينية مستقلة»، مُضيفًا أنه في حال قيامها، «يُمكن أن تكون في مكان آخر بالمنطقة بدلًا من الضفة الغربية». بالمناسبة، هو كان قد قال سابقًا إنه «لا يوجد شيء اسمه فلسطيني» وأن الأمر لا يعدو أن يكون «محاولة إجبار إسرائيل على التخلي عن أرضها». هل لهذا اختاره دونالد ترامب سفيرا في المنطقة. الإجابة لديكم.
يبقى أن علينا ملاحظة أنه في حين اختارت فرنسا والسعودية مقر الأمم المتحدة، ومناسبة انعقاد جمعيتها العامة لإطلاق مؤتمر دولي «لتسوية القضية الفلسطينية»، وساحة للاعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية، اختار ترامب منتدى دافوس؛ بخلفيته الاقتصادية، الاستثمارية، الرأسمالية لإطلاق مجلسه «العالمي» للسلام.
قد يكون من الغريب أن نُضطر إلى التذكير بأن السلام عملية سياسية، وأن الطريق إليه لا يكون إلا سياسيًا. حتى وإن كان للسماسرة رأي آخر.
وبعد،،
أرجوكم عودوا إلى فيديو «ريفيرا الشرق الأوسط»، الذي كان أول الطريق إلى ما شهدناه هذا الأسبوع على منصة دايفوس، والذي لابد من ملاحظة أن ترامب (الرئيس) كان قد نشره بنفسه على صفحته «الرسمية».
من بين مقاطع هذا الفيديو مشهد للسيد ترامب بملابس السباحة مسترخيا على شاطئ غزة يحتسي المرطبات؟ هل تعرفون من كان بجواره على الشاطئ الفلسطيني (أكرر: «الفلسطيني»)؟
بنيامين نتنياهو، مسترخيًا ومبتسمًا هو الآخر .. وبملابس السباحة… أحسب أن في هذا المشهد إجابة «واضحة» على كل الأسئلة.





