عن المنشور، والتحقيق، والأدلة، «والغلابة» .. والقضايا التي غابت
القضية الرئيسة ليست أبدًا فيما انجرف إليه البعض من افتعال لمعارك «جندرية» أو فئوية، أو حول الإجراءات «القانونية»٠٠
لا تعنيني بحال دقة ما حكته من وقائع، ولا أنها تعود إلى أعوام مضت، ولا أنها كانت ما زالت صغيرة السن (طبيبة امتياز لا غير). ولا أنها لا تذكر أسماء بعينها، ولا حتى ما نسبوه إليها من هذيان؛ كمَخرَج (إعلامي) تقليدي مهترىء، فكل ذلك يبقى من باب التفاصيل. وكل منا لديه ما يعرفه، ولديه تجربته الخاصة، أيا كان ما يعرفه، وأيا كانت تجربته الخاصة. وحسب ما فهمت، إن كنت قد فهمت، فمنشور الطبيبة السابقة كان يطرح «قضية مجتمعية عامة»، ولا يوجّه اتهامات بعينها لأشخاص بعينها في وقائع محددة بعينها، حسب ما تقضي به البلاغات الرسمية، وما ينشغل به، حسب القواعد المرعية رجال التحقيق «الجنائي» وإنفاذ القانون. فمثل هكذا قضايا «عامة» مكان الاهتمام بها هو المجالس النيابية «المنتخبة»، والإعلام «المستقل»، والرأي العام «الحر» بطبيعته، وتعريفه، لا جهات التحقيق «الجنائي»، التي أفترض أن لديها مهام جليلة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقدّر (أولا) اهتمام الجهات الرسمية، التي أعلنت أنها بصدد «التحقيق» فيما ورد في منشور دكتورة أمنية سويدان، على Facebook عن انتهاكات للمريضات في غرف التوليد، من جانب بعض الأطباء والممرضات (أكرر والممرضات؛ الإناث)، والذي نعلم جميعًا أن مثل تلك اللا إنسانية في التعامل لا تقتصر على مستشفى بعينه، بل ولا حتى على المستشفيات؛ قصرًا أو حصرًا. ما تطرقت إليه الطبيبة ليس أكثر من نموذج يتكرر هنا وهناك، حيث يتعرض «الغلابة»، في العديد من الأماكن، والمواقف لكثير من العنت، والتمييز والإهانة. ومصطلح «الغلابة» هنا يتجاوز المدلول الاقتصادي ليمتد إلى كل من تعوزه «السلطة»؛ مالًا، أو جاهًا، أو نفوذًا يكفل له معاملة لا تمييز فيها، في هذا المكان أو ذاك.
وأعلم (ثانيًا) أن أي تحقيق «قانوني» لا يكتمل إلا إذا توافرت «الأدلة»؛ كما ذكرت الجهات المعنية في بياناتها بشأن هذه الوقائع.
كما أعلم (ثالثًا) أن توافر مثل تلك الأدلة لدى ضحايا مثل تلك الوقائع (الغلابة)، أو حتى غيرهم هو من المستحيلات.
ويؤسفني أن المنشور (البلاغ) المشار إليه قد تم حذفه، أو حجبه للأسف بعد أن تم إلقاء القبض، حسبما نشرت الصحف المحلية على صاحبته (دكتورة أمنية سويدان) بعد أن تجرأت وطرحت القضية على «الرأي العام»، صاحب الحق.
وظني أن القضية الرئيسة ليست أبدًا فيما انجرف إليه البعض من افتعال معارك «جندرية» أو فئوية، أو حول الإجراءات «القانونية». القضية يا سادة ليست في اختلال العلاقة بين الجنسين في مجتمعاتنا (وهي مختلة بالفعل)، كما أنها ليست في كون الأطباء (في نظامنا الصحي المختل) ظلمة أو مظلومين، كما أنها ليست أبدًا في غياب تحقيق أو أدلة (يصعب توافرها، بالمعايير القضائية المعروفة).
ففضلًا عما تقول به تقارير مختلفة؛ رسمية أو مستقلة من مظاهر عورٍ بالغة في الخدمة الصحية المقدمة للمواطنين1، وأسبابها ومظاهرها، التي كانت الأولى بالاهتمام، والتي من نتائجها (لا كل نتائجها) ظاهرة هجرة الأطباء الشباب، فما طرحته الطبيبة «الساذجة/البريئة»، التي توقفت مبكرًا عن ممارسة «الوظيفة» يشير في جوهره إلى قضايا أخرى بالغة الأهمية، تبدى بعضها، ليس فقط في وقائع غرف التوليد، وفيما شابهها، وإن اختلفت التفاصيل والوقائع، والأماكن، بل وأيضًا فيما جرى من ردود فعل؛ رسمية أو جماهيرية على السوشيال ميديا، ومن قبيل ذلك:
القوة الخفية المتمثلة في «تراتبية السلطة». سواء بين الطبيب ومساعديه في غرفة العمليات، أو بين المدير ومرؤوسيه في هذا المكان أو ذاك، أو حتى بين رب الأسرة (الرجل عادة) وأفرادها داخل البيت. ثقافة تراتبية السلطة تلك، والتي أشار إليها هشام شرابي في كتابه الشهير، هي بحكم طبيعتها ثقافة «عسكرية» بالأساس، ولا أحد يشكك في كونها مطلوبة بلا شك داخل البنية العسكرية والنظامية لكل جيش، ولكنها تصبح كارثة إذا تمددت خارجه، لتصيب الثقافة المجتمعية بمثل هكذا داء.
الخلل في مفاهيم «السلطة»، على اختلاف أنواعها، أو طبيعتها، والتي لا تكون سليمة، ومعاصرة، وناضجة، إلا مع توافر شروط ذلك من مسؤولية، ومساءلة، ومحاسبة.
الاستقطاب، أو قل «عصبية الجاهلية»، والذي بدا واضحًا في التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي التي انجرفت معظم نقاشاته (والتي تفتقر بالتعريف إلى مفهوم «النقاش والحوار») إلى المعركة التقليدية (العبثية) بين الرجل والمرأة.
الطبقية، التي شرخت مجتمعنا أفقيًا بشكل لم نعهده منذ سبعة عقود. فالسيدات من طبقات أخرى ربما لم يكن ليتعرضن لما تتعرض له السيدات اللواتي لا مكان لولادتهن، أو عيادتهن غير المستشفيات الحكومية، رغم أنها لم تعد «مجانية»، بالمعنى الحقيقي للمجانية، فضلًا عن أنها لأسباب عدة باتت قاصرة على الوفاء بحق المواطنين الدستوري في خدمة صحية كاملة. هذا لا يعني طبعًا أن الطبقات الأعلى «المترفة»، لا تتعرض لمشكلات قد تتشابه أو تختلف في التفاصيل. فالثقافة المجتمعية حين تتحول إلى وباء تصبح مثل أي وباء لا يعرف حدودًا، ولا أسوارًا حتى لو كان اجتياز بواباتها يحتاج إلى «باركود».
بمناسبة الحديث عن «الطبقية»، وتشوهاتها، هل اطلعتم على إعلان «الساحل الشمالي»، الذي يقدم «فرصا» لوظائف خدم وسفرجية وطباخين وبيبي سيترز وسائقين وحراس أمن وجناينية ومنظفي الشواطئ وحراس حمامات السباحة وباعة فريسكا وآيس كريم. بشرط أن يحمل المتقدم «شهادة جامعية». لا أعتب على صاحب الإعلان، ولا على ناشره، وإنما على واقع وصلنا فيه إلى مثل هذا.
القضية الحقيقية، إن شئنا أن نرى الأمور على حقيقتها هي في «ثقافة مجتمعية» فسدت. وظواهر فسادها لا تقتصر على مكان بعينه، أو وقائع بعينها. انظروا حولكم جيدًا لتروا ما صار إليه حالنا، وقيمنا. في كل مكان، وليس في المستشفيات فقط. وليست واقعة ضرب أمهات التلميذات لمعلمة رفضت المساعدة على الغش ببعيد.
أحسب أن في ثقافتنا المجتمعية (الحاكمة) بحكم طبيعتها، ما يحتاج إلى التمعن والدراسة المتخصصة، لا المنع، والحجب، والمبادرة باعتقال، أو تشويه كل من يلفت الانتباه إلى ما يستوجب معالجته من عيوب.
إخفاء القاذورات تحت السجادة لا يعني أبدًا تنظيف البيت، إن كنا جادين في رغبتنا في أن يكون نظيفًا.
***
وبعد،،
فلعليّ لا أبالغ إن قلت إن هذه الثقافة المجتمعية الحاكمة، سواء من ناحية مفهوم السلطة «الأبوية/البطرياركية» التي تسمح (وحدها) بما يقال، وما لا يقال، هو الذي حكم بكل ما رأيناه من تفاصيل طريقة التعامل مع المنشور (وصاحبته).



