نجح الأوروبيون .. فيما فشل فيه العرب
النسخة (المختصرة) من هذا المقال نشرت في عروبة 22 (الأحد الأول من فبراير/شباط 2026)
هاهو ترامب ماض في خطته القديمة، وها هو نتنياهو يفرض شروطه في كل التفاصيل. رغم كل المحاولات الدعائية من المشاركين/المتورطين لتجميل الصورة، فواقع الحال كاشف. هل تعرفون عدد الذين قتلتهم قوات الاحتلال من الفلسطينيين في غزة بعد «وقف إطلاق النار»، لا قبله؟ 574 شهيدًا، وما يزيد عن 1،500 مصاب، وكالعادة كان معظم الضحايا؛ شهداء ومصابون من النساء والأطفال.
ـــــــــــــــــــــــــ
قبل أن يغادر دايفوس، والذي اتسم خطابه فيها كما كان متوقعًا، بالتهديد والوعيد، وتذكير الحاضرين بأن تحت إمرته أكثر الأسلحة فتكًا، وأقوى جيش في العالم، وإنه «سيستحوذ» على جرينلاند، كما قال مرارً، وتكرارًا: «بطريقة أو بأخرى»
one way or the other
تراجع سيد البيت الأبيض ، فيما بدا فجأة ليقول : «لن أستخدم القوة .. لن أفعل»، ثم سارع بالإعلان أنه لن يفرض الرسوم الجمركية المرتفعة التي كان قد أعلن قبلها بساعات أنه سيقررها عقابًا للدول الأوروبية التي وقفت ضد رغبته.
من الذي دفع (أو بالأحرى) أجبر هذا النرجسي المهووس بقوته على التراجع؟
الإجابة: وحدة الأوربيين، وإدراكهم الواعي لحقيقة أنهم لو تنازلوا مرة، فسيتنازلوا كل مرة.
شيء من هذا لم يحدث في شرقنا العربي.
فيما انشغل العرب (الجاهليون) بمعاركهم اليمنية، الصومالية، السودانية بحثًا عن نفوذ قبلي زائف، انشغل الأوروبيون بالدفاع عن أنفسهم باعتبارهم كيانًا واحدًا، مدركين حكمة المثل العربي، لا الأوروبي الذي يقول لنا، دون أن نسمع له «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض». وقف الأوروبيون في وجه ترامب (البلطجي) دفاعا عن أوكرانيا، رغم أنها ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ودفاعًا عن الدانمارك (الصغيرة)، التي لا تمثل شيئًا بالمقاييس الجيوسياسية مقارنة بألمانيا أو فرنسا على سبيل المثال.
فعل الأوروبيون للبلدين ما لم يفعله العرب لفلسطين التي أسموها في بيانات كل قممهم، على مدى ثمانين عامًا «بقضية العرب المركزية».
في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نشرت الصحف ما سمي بخطة ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، كانت الخطة الترامبية (الروسية بامتياز) تتضمن 28 بندًا، من بينها التنازل عن أراض لروسيا، وتحديد عدد القوات المسلحة الأوكرانية، والتعهد بعدم الانضمام «مستقبلًا» إلى حلف شمال الأطلنطي… إلى غير ذلك من بنود لا تهدف إلى «السلام»، بالمعنى الذي نعرفه، بل إلى إنهاء الحرب، لصالح الأقوى «وبأي ثمن». لم تمض أيام، انتفض فيها الأوروبيون يستنكرون مثل هكذا خطة حتى جرى تعديلها جذريا، أو بالأحرى «أوروبيًا» لتقتصر على 20 بندًا، تتضمن الاعتراف بسيادة أوكرانيا الكاملة على أراضيها، مع اعتبار السيطرة الروسية في الشرق »احتلالاً مؤقتاً» يخضع لمفاوضات سياسية طويلة الأمد (على غرار نموذج ألمانيا الشرقية والغربية).
في المقارنة بين خطة ترامب الأولى، وتلك التي عدلتها الضغوط الأوروبية كثيرٌ من التفاصيل، التي لن يتسع لها هذا المقال. ما يهمنا هنا هو المقارنة بين ما جرى لخطة ترامب بشأن أوكرانيا (وتعديلها أوروبيًا)، وما جرى لخطته بشأن غزة (وتعديلها إسرائيليًا).
كما وصف جرينلاند في أغسطس/آب 2019 بأنها «صفقة عقارية ضخمة»، قال دونالد ترامب في أكتوبر/تشرين أول 2024 إن غزة تمتلك موقعاً جغرافيا «أفضل من موناكو» وأنها يمكن أن تكون مقصدًا سياحيًا رائعًا. وهي الفكرة ذاتها التي عبر عنها بعد ذلك بسنوات بمصطلحه الشهير «ريفيرا الشرق الأوسط» (فبراير/شباط 2025)، لاحظوا من فضلكم أن تصريحه ذلك، الذي عبر فيه عن نيته «تملك» غزة لتحويلها إلى منتجع سياحي، وما تطلبه خطته تلك من تهجير للفلسطينيين إلى الدول المجاورة كان في مؤتمر صحفي بعد اجتماع مطول مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وكما تحرك الأوروبيون لإجهاض خطط ترامب بشأن أوكرانيا وجرينلاند، بالتلويح بكل ما يملكونه من أوراق وضغوط، تداعى العرب إلى قمة قاهرية «استثنائية»، ولكنهم، على العكس تمامًا لم يلوحوا بأي شيء. بل والأدهى، كان فيما بدا من أنهم تداعوا لقمتهم، لا «ليخطبوا» فقط كعادتهم، بل و«وليخطبوا ود» سيد البيت الأبيض، في بياناتهم وتصريحاتهم، عساه يتراجع، ولو قليلا عن بعض التفاصيل، التي تؤرق هذا الدولة «الجار»، أو تلك. لا ضغوط هناك، ولا حتى التلويح بها.
انشغل البعض يومها بغياب هذا أو ذاك من القادة العرب عن قمّتهم «الاستثنائية»، وأحسب أنّ «الغياب الأهمّ» كان فيما غاب عن مقرّرات القمّة من إشارة كانت لازمة لأوراق الضّغط التي من دونِها، لن يتراجع الإسرائيليون والأميركيون عن مواقفهم المسبقة والصريحة والمعلنة.
عندما غابت الضغوط، أو حتى التذكير «بأننا نملكها»، كان من الطبيعي أن يجتمع «الرئيس»، بعدد من القادة العرب والمسلمين على هامش الجمعية العامة، في سبتمبر/أيلول الماضي ليناقش بنود خطته «الاستثمارية» تلك، التي كان من اللافت (والدال) أنه لم يعلن عنها رسميا (ببنودها العشرين) إلا بعد اجتماع مع بنيامين نتنياهو (29 سبتمبر/ أيلول 2025). يومها أعلن وزير الخارجية الباكستاني بكل وضوح أنّ النقاط العشرين التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن خطته بشأن غزّة، وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي تختلف جذريًا عمّا كان قد اتُفق عليه مع مَن اجتمع بهم من قادة الدول العربية والإسلامية.
نجح الأوروبيون إذن في تعديل بنود خطة ترامب بشأن جرينلاند، وسكت العرب عن التعديل «الإسرائيلي» لما كانوا سمعوه من ترامب من بنود لخطته بشأن غزة، والذي سنرى نتائجه حتمًا في قادم الأيام.
أما لماذا نجح هؤلاء، وسكت أولئك؟ ففي هذا حديث يطول.
هل كان لدى العرب ما يفعلونه؟ نعم.. أقله تجميد مسيرة التطبيع الذي كان من المفترض ألّا يكون سوى ثمن لإعادتها الأراضي العربية التي احتلّتها إسرائيل. دعك من التلويح بمراجعة حجم الاستثمارات، أو بإعادة النظر في معاهدات سلام لم تتردّد إسرائيل في انتهاك جوهرها وملاحقها الأمنية.
شيء من ذلك لم يحدث. بل ربما كان من باب المفارقة أن العرب الذين كانوا قد تداعَوْا لقمة «استثنائية» في مارس الماضي ردا على تصريحات ترامب حول تحويل غزة إلى «ريفيرا الشرق الأوسط»، كانوا هم أنفسهم الذين سارعوا بتلبية دعوته، بعد عام واحد للانضمام إلى ما أسماه مجلس السلام والذي شهد الإعلان عنه قبل أيام في دافوس عرضًا تقديميا قام به صهره لخطة تحويل غزة إلى ريفيرا الشرق الأوسط (ذاتها). يا لها من مفارقة كاشفة.
رد الأوروبيون، والغربيون على ترامب في دافوس شرقًا، وكندًا غربًا. في حين أثنى العرب في بيان قمتهم الختامي (القاهرة مارس/آذار 2025) على من يعرفون أنه «الصديق الذي لم يأت في البيت الأبيض مثله لإسرائيل»، كما وصفة بنيامين نتنياهو، صادقًا تحت قبة الكنيست ذات يوم، فصفق الحاضرون.
أرجوكم استمعوا مرة أخرى إلى خطاب رئيس وزراء كندا؛ الجارة الملاصقة لأمريكا ترامب، والتي لا تمل شيئا من قوتها العسكرية، أو الاقتصادية، ولكنها تملك استقلالها (الحقيقي)، لا هذا الذي تتغنى به الأناشيد الوطنية، أو تصك به الأوسمة، والنياشين العسكرية.




