«الناشران» .. حكايا صحفية
في تفاصيل حكايتهما المهنية؛ المنشورة وغير المنشورة، كثيرٌ من تاريخ الصحافة والسلطة في عالمنا العربي
لسنوات طويلة، كانت «ترويسة» جريدة «الشرق الأوسط»، وشقيقتها «المجلة»، وغيرهما من المطبوعات تحمل اسمي هشام ومحمد علي حافظ تحت مسمى «الناشران».
رحل هشام عن عالمنا قبل سنوات، ولحق به شقيقه محمد قبل أيام، بعد أن وضعا بصمتيهما على تاريخ الصحافة العربية الحديثة، وبعد أن تركا من الحكايا والقصص ما يستحق «مهنيًا» أن يروى.
هذه عائلة «صحفية» بالتعريف، إن جاز لنا القول. ففي بدايات القرن الماضي، كما تقول الحكايات المتواترة، باع الوالد والعم (علي وعثمان حافظ) كل ما كانا يملكانه، بما فيه ذهب زوجتيهما، ليتمكنا من شراء مطبعة، ربما كانت الأولى في بلادهما في حينه، ليطبعا بواسطتها جريدتهما «المدينة»، والتي كانت عند صدورها (1937) من أوائل الصحف في جزيرة العرب، كما يخبرنا المرجع المهم لفيليب دي طرازي عن تاريخ الصحافة العربية. وهي الجريدة ذاتها التي بدأ فيها الشقيقان «الناشران» هشام ومحمد علي حافظ، رحلتهما المهنية بعد عودتهما من بعثتهما التعليمية في القاهرة.
حين دُعيتُ قبل سنوات لإلقاء محاضرة في جامعة الملك عبد العزيز لم أكن أعلم دور محمد علي حافظ (الصحفي) في إنشائها. كان لا يزال شابًا حين كتب في زاويته اليومية في جريدة المدينة (يونيو 1964) يدعو إلى الاكتتاب العام لإنشاء جامعة أهلية في جدة، داعيًا «من أنعم الله عليه بنعمة العلم، ومن منحهم الله سعة في الرزق أن يتقدموا الصفوف»، وقد كان، وأُقيمت الجامعة على أكتاف أبناء البلد وقت لم تكن الطفرة النفطية قد عرفت طريقها بعد إلى جزيرة العرب، ووقت لم تكن فلسفة المجتمع المدني معروفة ومألوفة.
عند نهاية سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في صيف 1978، وربما في محاولة للاستقلال، أو على الأقل للابتعاد عمّا توجبه «التقاليد» السلطوية المرعية في مجتمعاتنا «الأبوية» من حسابات، ومثلما فعل يومها صحفيون عرب عدة، وإن لأسباب مختلفة، «ولحسابات» مختلفة، اختار هشام ومحمد علي حافظ عاصمة أوروبية لإصدار صحيفة عربية، تلتها صحف ومطبوعات عدة. وكان أن أتى لهما الدكتور عبد العزيز خوجة؛ الوزير الأكاديمي والشاعر بموافقة القصر (التي لا بدّ منها)، فصدرت «الشرق الأوسط»، التي أرادها الناشران يوم كانت لهما (لا لغيرهما)، وكما كتبا في صدر الصفحة الأولى للعدد الأول: «صحيفة لكل العرب وليست لدولة عربية واحدة».
صحيحٌ أن الاغتراب «المكاني»، لوذًا ببلاد الفرنجة لم يضمن الاستقلال الحقيقي، إلا للقابضين على الجمر، بعد أن اشترى هذا النظام أو ذاك هذا القلم أو ذاك، مما كشفت عنه قوائم نُشرت بعد أن ذهبت أنظمة وجاءت أخرى، إلا أن الحق يقال: إنه كما كان هناك مشترون وبائعون لأقلامهم ورثوا الأعشى والخزاعي مدحًا وهجاءً، تقرُّبًا من بلاط هذا أو ذاك، كان هناك دومًا مستقلون دفعوا ثمن كلمتهم… ولا يزالون.
***
كالكثيرين من أبناء الجزيرة والخليج ارتبط آل حافظ «الحجازيان» بمصر؛ تعليمًا ومصاهرةً، إلا أن ذلك لم يحل أبدًا دون أن يدفعا غير مرة ثمن التجاذبات «الشوفينية في جوهرها»، والتي، وكما هي عادة تجاذبات أيامنا تلك؛ المبررة أو غير المبررة، لا تعجز عن أن تجد موضوعًا لها؛ سواء حول جزيرتي البحر الأحمر قبل سنوات، أو الموقف من حرب اليمن، أو إيران، أو حتى فيلم أم كلثوم هذه الأيام.
غضب السادات (في السبعينيات) يوم أنشأوا صحيفتهم، وعبّر عن غضبه، كعادته في خطاب جماهيري، أشار فيه إلى «الأقلام المأجورة»، وإلى المؤامرة على مصر، من جانب عدد من أشقائها. يومها لم تكن الغضبة الرئاسية لحساسيات كامب دايفيد وحسب، بل كانت أيضًا نتيجةً لتقارير أمنية (كما هي العادة)، لم تكن دقيقة أو أمينة قط (كما هي العادة أيضًا)، وإن ترتب عليها، كما هو شأن مثل تلك التقارير «الأمنية»، أن أخذت صحفيًا شابًا (يومها) إلى رئاسة تحرير صحيفة مصرية كبرى، فيما قيل إنه محض مصادفة، أو ضربة حظ، لا فرق. فدراما ثنائية الصحافة والسلطة في مصر، كما هي في كل أقطارنا العربية، وكما هي في قصة «الشرق الأوسط» ذاتها، متعددة الفصول والحكايا، غنية بالإثارة والتفاصيل.
ذهب السادات، وجاء مبارك.. ثم كان أن غضب مبارك، أو غضبت عائلته، حين أعدّت إحدى مطبوعات المؤسسة لعددها الأول تحقيقًا مطوّلًا حول أبناء الرؤساء؛ مبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح، وحول ما يدور حولهم من «شائعات» كانت قد ملأت تفاصيلُها الفضاءَ يومها، إلا أنها لم تكن قد وجدت طريقها الطبيعي أبدًا إلى «تحقيقات» الصحف، التي لم تعتد في بلادنا تناوُل مثل تلك الأمور ذات «الحصانة».
يومها صدرت أحكام «مصرية» بحبس المسؤولين عن الصحيفة «اللندنية»، وعن التحقيق الصحفي؛ مصريين وسعوديين. وأُغلقت مكاتب الشرق الأوسط وشقيقاتها في القاهرة، وكتب الناشران «الحجازيان» اللذان تعلّما في القاهرة، ولهما في مصر روابط أسرية، رسالةَ وداع مؤلمة ومؤثرة.
كانت القضية سياسية بامتياز. دَعْكَ من أن التحقيق الصحفي (جسم «الجريمة» المفترض) لم يُنشر أصلًا. إلا أن الإعلان الترويجي الذي سرد الاتهامات (الشائعات) قدّم فرصةً لم يفوّتها يومها «مستشارو الرئيس»، لتذهب المسألة برمتها إلى المحكمة «العسكرية»، رغم بيان الاعتذار المهني عمّا تضمنه الإعلان المتجاوز «اللا مهني»، ورغم إقدام الناشرَين على إعدام جميع نسخ المطبوعة قبل أن تجد طريقها إلى باعة الصحف. فكان أن صدر قرار الاتهام ليتضمن الناشرَين ورئيس التحرير، فضلًا عن عدد من الصحفيين المصريين، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى إغلاق مكاتب الشرق الأوسط وشقيقاتها في القاهرة.
يومها دُعيتُ مع عدد من الصحفيين إلى لقاء «مفاجئ» رتّبه المرحوم أسامة الباز؛ مهندس الدبلوماسية المحنك، والمستشار السياسي للرئيس، لنلتقي مع «الابن» السيد جمال مبارك (الذي لم يكن قد جرى تقديمه بعد للجمهور العام)، والذي حرص على طمأنة الصحفيين الحاضرين إلى أن الأمور ستكون «على ما يرام».
يومها، بدا من الناحية السياسية أن حكم المحكمة «العسكرية» بحبس الناشرَين والصحفيين كان مطلوبًا. كما أن اللقاء المفاجئ (والأول) للسيد جمال مبارك، والذي بشّرنا فيه بخبر تنازله «الإنساني» عن الدعوى القضائية (بعد أن كان الحكم قد صدر فعلًا) كان أيضًا، ربما من باب العلاقات العامة، مطلوبًا ومرغوبًا فيه. بل ربما كانت هذه خطوتَه الأولى على الطريق الذي لم يصل أبدًا إلى نهايته.
***
وبعد،،
فإن لم يكن من دورٍ للصحفي (الناشر) محمد علي حافظ سوى دوره وجريدته في إنشاء الجامعة الأولى في جدة لكفاه.
وإن لم يكن في سجل الناشرَين (المهني) المهني سوى إصدارهما لجريدة Arab News التي كانت الصحيفة السعودية الوحيدة التي تجرّأت، وأعطت جمال خاشقجي (شهيد الكلمة) حقّه بعد مأساته المفجعة بنشرها مجموعةً من شهادات زملائه تتصدّرها شهادة الصديق خالد المعينا رئيس تحريرها الأسبق، لكفاهما.
ثم، إن كان لي أن أحكي ما هو شخصي، فأذكر في بداية عملي في مهنة المتاعب (والمسؤولية) تلك، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أن أحد محرري «المجلة» في لندن، والتي كنت قد بدأت للتو العمل في مكتبها بالقاهرة، قام بتغيير عناوين وبعض فقرات تحقيق كنت قد أعددته للنشر، وكان من شأن ما قام به من تغيير أن أعطى الكلامَ مغزىً سياسيًا لا أقبله، فغضبت وذهبت إلى الأستاذ أحمد بهاء الدين (يرحمه الله) أشكو، وأُعرب له عن نيتي في الاستقالة احتجاجًا على ما جرى من تعديل. فلم يكتفِ الأستاذ بهاء بتهدئتي وإقناعي بأن هذا في غير مقالات «الرأي»؛ الذي هو ملك لصاحبه وحده ــ أمر معتاد مهنيًا، بل فاجأني وأنا في مكتبه بالأهرام باتصال من الأستاذ محمد علي حافظ (الناشر) يطيب خاطري، إكرامًا للأستاذ بهاء، ويطلب مني العدول عن الاستقالة، فما كان مني بطبيعة الحال، وأنا بعدُ أخطو خطواتي المهنية الأولى، إلا أن فعلت، إكبارًا واحترامًا للرجلين وقدرهما. واقتناعًا بما ترسّخ بعد ذلك، ولم يتزحزح أبدًا، بأن «للرأي واستقلاله شأنًا آخر».
رحم الله من تركنا وذهب، وأعاننا على أمانة الكلمة؛ استقلالًا بالرأي، وحرية في التعبير، في بلادنا تلك وأيامنا تلك.






